ازدهر العلم الحديث في الإمبراطوريات الأوربية وبفضلها، ويدين في نشأته للتقاليد العلمية القديمة، إلا أن شخصيته الفريدة بدأت في التشكل في الفترة المبكرة من العصر الحديث في وقت متزامن مع التوسع الإمبريالي لإسبانيا والبرتغال وبريطانيا وفرنسا وروسيا وهولندا، وقدم الصينيون والمسلمون والهنود…مساهمات في الثورة العلمية في وقت مبكر من العصر الحديث، إلا أن الأشخاص الذين جمعوا هذه الاكتشافات العلمية وخلقوا تخصصات علمية كانوا حتى منتصف القرن 20 هم النخب الحاكمة والمثقفة للإمبراطوريات الأوربية العالمية. يقول هراري أن الشرق الأقصى والعالم الإسلامي أنتج عقولا ذكية وفضولية كتلم التي في أوربا، لكنهم لم ينتجوا شيئا قريبا من الفيزياء النيوتونية أو البيولوجيا الداروينية بين سنتي 1500و1950م.
لا يعني ذلك أن الأوربيين يمتلكون جينا فريدا للعلوم أو أنهم سيهيمنون على دراسة الفيزياء…فالعلم بدأ كتخصص أوربي لكنه أصبح اليوم مؤسسة متعددة الأعراق.
كانت التقنية عاملا مهما في صياغة الرابطة التاريخية بين العلم الحديث والإمبريالية الأوربية، لكن أهميتها كانت محدودة في الوقت المبكر من العصر الحديث. لقد تشارك كل من العالم وضابط البحرية الباحث عن مستعمرة نفس العقلية، وبدأ كل منهما يعترفان بالجهل وشعرا أنهما مجبران على القيام باكتشافات جديدة من أجل الحصول على معرفة جديدة وبالتالي يصبحا سادة العالم.
اختلفت الإمبريالية الأوربية تماما عن كل المشاريع الإمبريالية الأخرى في التاريخ، فبخلاف باقي الغزاة انطلقوا إلى السواحل البعيدة أملا في الحصول على معرفة جديدة جنبا إلى جنب مع الأراضي الجديدة.
ولم يكن حيمس كوك أول مستكشف يفكر بهذه الطريقة، فقد فكر بها قبله الرحالة البرتغاليون والإسبان في القرنين 15و16 م، اكتشف الأمير هنري الملاح وفاسكو دي جاما سواحل إفريقيا، وسيطرا على الموانئ والجزر، واكتشف كريستوفر كولومبوس أمريكا ليدهي السيادة على الأراضي الجديدة باسم ملوك إسبانيا…
وأصبح غزو الأراضي وغزو المعرفة مع مرور الوقت مترابطين أكثر، فقد خرج مع كل حملة أوربية عسكرية علماء، للبحث عن اكتشافات علمية، فعند غزو نابليون مصر اصطحب معه 165 باحثا، قاموا بتأسيس تحصص جديد هو علم المصريات، وقدموا مساهمات لدراسة الدين واللغة والنبات.
يسترسل هراري في القول أن البحرية الملكية أرسلت السفينة “إتش أم أس” لرسم خريطة سواحل الفوكلاند …فقد احتاج لهذه المعرفة ليكون أكثر استعدادا في حالة الحرب. وأضاف قائد السفينة خريج من كامبريدج ذو 22 سنة (تشارلز داروين) لدراسة التشكيلات الجيولوجية التي يمرون بها، وجمع داروين البيانات التجريبية وصاغ الرؤى التي أصبحت في نهاية المطاف نظرية التطور.
خرائط فارغة
يؤكد مؤلف كتاب “العاقل” أن العقلية الحديثة المتمثلة في “الاكتشاف والغزو” بشكل رائع في تطور خرائط العالم. فقد رسمت ثقافات خرائط قبل العصر الحديث لكنها لم تكن تعلم كل العالم فعلا، وأعطت الانطباع بأنها ملمة بالعالم كله.
ثم بدأ الأوربيون يرسمون خرائط للعالم تتضمن مساحات فارغة، فأشار ذلك إلى تطور العقلية العلمية والدافع الإمبريالي الأوربي…فقد كان علامة على أن الأوربيين كانوا يجهلوت أجزاء كبيرة من العالم.
واعتبر الكاتب أن نقطة التحول كانت مع كريستوف كولومبوس الباحث عن طريق جديد إلى شرق آسيا، كان يؤمن بخرائط العالم القديمة “الكاملة”، وظن أنه وصل جرز الهند، لكنه اكتشف قارة مجهولة، لكنه تمسك باعتقاده حتى آخر لحظة في حياته، يؤكد هراري، وظل مقتنعا أنه يعرف العالم كله.
فجاء البحار الإيطالي أميريغو فسبوتشي ثم راسم خريطة العالم المحدثة سنة 1507 مارتن فالدسميلر، وكانت أول خريطة تظهر المكان الذي رست فيه أساطيل أوربا المبحرة غربا كقارة منفصلة. ولاعتقاده بأن أمريغو اكتشف القارة سماها بأمريكا.
اعتبر هراري أن اكتشاف أمريكا كان الحدث الرئيسي التأسيسي للثورة العلمية، الذي أجبر الأوربيين على البحث بشرعة فائقة عن معرفة جديدة من أجل غزو أمريكا، فقد تعلموا أن ملاحظات الحاضر أفضل من تقاليد الماضي.
بدأ الجغرافيون يرسمون الخرائط وتركوا مساحات فارغة لتملأ، واعترفوا بأن نظرياتهم لم تكن كاملة، وأن هناك أشياء لم يكونوا يعرفونها.وبدأ الأوربيون يملؤون الأماكن الفارغة وأبحرت الحملات في القرنين 15و16م ، وأنشأت قواعد عسكرية ومستعمرات في أرجاء العالم، وأسسوا أول إمبراطورية عالمية فعلية ونسجوا أول شبكة تجارة عالمية، وتحول تاريخ العالم من كونه سلسلة من تاريخ الشعوب والثقافات المعزولة ليصبح تاريخا لمجتمع بشري واحد متكامل.