
الدار/
تشهد العلاقات بين المغرب والجزائر توترا دبلوماسيا جديدا بعد قرار السلطات الجزائرية طرد نائب القنصل العام المغربي في وهران. قرار يأتي في سياق متوتر يشمل أزمات داخلية وخارجية تعيشها الجزائر، مما يطرح تساؤلات حول أسبابه الحقيقية وتداعياته على مستقبل العلاقات بين البلدين.
رجوعا الى التاريخ القريب ، فقرار طرد نائب القنصل العام للمملكة المغربية ليس الأول من نوعه، فقد سبق للجزائر أن طلبت مغادرة القنصل المغربي في وهران عام 2020 بعد تصريحاته التي وصفت الجزائر بـ”البلد العدو”. لكن ما يميز هذه الخطوة الجديدة ،أنها تتزامن مع مجموعة من التطورات الحساسة، أبرزها الزيارة التي يقوم بها المبعوث الأممي ستيفان ديميستورا إلى المنطقة قبل مناقشة ملف الصحراء المغربية في مجلس الأمن منتصف هذا الشهر، إلى جانب الأزمة المتفاقمة بين الجزائر وفرنسا بعد اعتراف باريس بمغربية الصحراء. توقيت يحمل دلالات مهمة باعتبار أنه يتزامن وإحياء الأمة الاسلامية لمناسبة ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان الأبرك ، إذ يبدو أن الجزائر تحاول تذكير المغاربة بطرد 350 ألف مواطن مغربي، صبيحة يوم عيد الأضحى من سنة 1975، وكأنها تسعى لتحويل الأنظار عن أزماتها الداخلية والدولية عبر إفتعال أزمة مع المغرب بخدش مشاعر المغاربة بجرح لم يندمل أثره بعد ، خاصة في ظل توالي إنتكاساتها الدبلوماسية التي تواجهها أمام النجاحات التي حققتها الدبلوماسية المغربية.
من جهة أخرى جاء إمهال نائب القنصل العام المغربي 48 ساعة بمغادرة الجزائر متزامنا كذلك ، مع صدور الحكم على الكاتب الجزائري بوعلام صنصال بالسجن لمدة خمس سنوات، بعد تصريحاته التي أشار فيها إلى أن مناطق الغرب الجزائري كانت تخضع تاريخيا لسيادة المغرب في خطوة توحي للعالم أنه كان جسوسا للأجهزة المخابرات المغربية ، هذا الحكم وإختيار ظرفية طرد نائب القنصل العام المغربي ، يعكس الحساسية الشديدة للنظام الجزائري تجاه أي خطاب او موقف قد يضعف موقفه الرسمي .
كما ان الرفع من منسوب العداوة يكشف بجلاء تهور النظام الجزائري ، لدرجة جعلته يقدم إشارات عن كونه يسعى وراء خيار المواجهة العسكرية، غير أن هناك حاجز كلفة الحرب التي ستكون لا شك باهظة على الحزائر، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل أيضا من الناحية الاجتماعية الداخلية والغليان الخطير الذي يعرفه الشارع الجزائري ، فضلا عن التطورات الحاصلة في الترسانة العسكرية المغربية ، اضافة الى ان المجتمع الدولي لا يرى أي مصلحة في اندلاع صراع مسلح في منطقة حساسة مثل شمال إفريقيا القريبة من أوروبا.
ليبقى السيناريو الأقرب هو إستمرار التوتر الدبلوماسي والإعلامي دون تصعيد عسكري مباشر، حيث سيظل كل طرف يسعى إلى تعزيز موقفه على الساحة الدولية عبر التحركات الدبلوماسية والتحالفات الإستراتيجية. رغم تورط الجزائر المباشر من خلال دعم الجماعات الانفصالية . ومع ذلك، فإن أي تحرك نحو تهدئة الأوضاع سيظل مرهونا بتدخل قوى دولية وازنة.
ختاما ، إنه وضع يعكس بوضوح أن الجزائر لا تزال عالقة في دوامة الصراع السياسي والتصعيد الدبلوماسي ، لكن دون القدرة على الوصول إلى مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة مع المغرب . ليبقى المواطن المغاربي هو الخاسر الأكبر في هذا الصراع، حيث تظل المنطقة بحاجة إلى تعاون إقليمي حقيقي ، بدلا من الإستمرار في لعبة الإستفزازات السياسية التي تقوم بها الجزائر ضد جيرانها المغاربيين والأفارقة، والتي تجعل منها دولة مهددتا للسلم والأمن بالمنطقة.
ذ/ الحسين بكار السباعي
محام وباحث في الهجرة وحقوق الإنسان .
النائب الأول لرئيس المرصد الوطني للدراسات الإستراتيجية .