حل المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء المغربية، ستافان دي ميستورا، يوم الاثنين بالرباط، حيث أجرى مباحثات مع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة. وتأتي هذه الزيارة في إطار جولة إقليمية للمبعوث، قبيل المشاورات غير الرسمية لمجلس الأمن التي ستعقد منتصف أبريل من السنة الجارية. كما حضر اللقاء السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، عمر هلال.
وخلال هذا اللقاء، استعرض الوفد المغربي الدينامية الدولية المتزايدة الداعمة لمغربية الصحراء، والمبنية على المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت قيادة الملك محمد السادس. وكان الملك قد دعا الأمم المتحدة بمناسبة الذكرى الـ49 للمسيرة الخضراء، إلى تحمل مسؤوليتها وفتح نقاش حقيقي حول الفرق الكبير بين الشرعية المغربية في صحرائها والعوائق التي تفرضها بعض المواقف المتجمدة.
كما جدد الوفد المغربي تأكيده على دعم المملكة الكامل لجهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي، بهدف الوصول إلى حل سياسي واقعي ومستدام. هذا الحل يجب أن يكون على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي، وفي إطار السيادة والوحدة الترابية للمغرب.
ترقب لمواقف دي ميستورا
وفيما يتعلق بدلالات الزيارة، أشار المحامي والباحث في ملف الصحراء، نوفل البعمري، إلى أن زيارة دي ميستورا التي بدأت من المغرب تأتي في إطار استعداداته لتقديم إحاطة لمجلس الأمن في جلسة مغلقة ستُعقد منتصف شهر أبريل، وفقًا لقرار المجلس رقم 2756 الذي صدر في أكتوبر الماضي. هذا القرار أوصى بتقديم المبعوث الأممي تقريرًا حول تقدم العملية السياسية والوضع الأمني في المنطقة بعد مرور ستة أشهر على صدوره، والتي تنتهي في أبريل.
وأشار البعمري في تصريح لجريدة “العمق” إلى بعض الأسئلة المتعلقة بطبيعة التحركات التي سيقوم بها دي ميستورا، مثل ما إذا كانت ستشمل دولًا خارج مجلس الأمن التي لم تكن معنية تاريخيًا بزيارات المبعوثين السابقين، مثل جنوب أفريقيا التي تحفظ المغرب على زيارتها ومناقشته مع مسؤوليها ملف الصحراء في العام الماضي.
كما سيكون هناك ترقب أيضًا لأسلوب المسار السياسي الذي سيقدمه دي ميستورا، وهل سيكتفي بالاستماع إلى أطراف النزاع الإقليميين: المغرب، الجزائر، موريتانيا، وتنظيم البوليساريو؟ جميع هذه الأسئلة سيتم الإجابة عليها في الأيام القادمة، خاصة مع اقتراب موعد تقديم الإحاطة في منتصف أبريل، وفقًا لما صرح به المتخصص في الشأن الصحراوي.
وبالنسبة للمغرب، يضيف البعمري، فإن موقفه في لقاءاته مع دي ميستورا واضح. فهو يعتمد على التصور الذي حدده الملك في خطبه، والذي يقوم على مبدأ “لا حل خارج مبادرة الحكم الذاتي”، حيث أن الطرفين الرئيسيين هما المغرب والجزائر. وقال إن هذا الحل يستند إلى قرارات مجلس الأمن التي اعتمدت معايير المغرب السياسية، إضافة إلى الدعم الدولي لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي، خاصة بعد قرار الرئيس الأمريكي ترامب الذي أعاد تفعيل مسلسل الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء.
وخلص بالقول: “نحن في مرحلة ترقب لكيفية تحرك دي ميستورا في المنطقة، وللمضمون الذي ستتضمنه الإحاطة التي يجب أن تتحول من منطق تأبيد الصراع إلى منطق جديد يسعى لتحقيق حل بناءً على رؤية مبادرة الحكم الذاتي”.
زيارة عادية في وقت استثنائي
وفي السياق ذاته، أشار عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش” ونائب منسق تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، إلى أن هذا التواصل الأممي الجديد مع المملكة المغربية يأتي في خضم دينامية دبلوماسية مغربية قوية، أحرزت توافقًا دوليًا واسعًا حول مغربية الصحراء. وستشكل النقاط القوية المسجلة أحد أبرز محاور النقاش مع المبعوث الأممي باعتبارها واقعًا سياسيًا وميدانيًا لا يمكن تجاهله في أي خطوة يتخذها المسؤول الأممي أثناء مشاوراته مع الأطراف الأخرى.
وقال في تصريح لجريدة “العمق” إن هذه الزيارة تعتبر اعتيادية وتدخل في إطار جولة إقليمية تهدف إلى التواصل مع جميع الأطراف المتدخلة في النزاع، لجمع المعلومات وتحقيقها بشأن الوضع واستيضاح مواقف الأطراف على ضوء المستجدات والوضع الإقليمي والدولي، وذلك في أفق إعداد إحاطته السنوية لمجلس الأمن.
وأكد الكاين أنه من الخطأ الاعتقاد أنه يمكن تجاهل عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، باعتباره الرئيس الذي وقع على الإعلان الرئاسي الذي كرس اعترافًا أمريكيًا صريحًا بمغربية الصحراء. كما أن تعالي أصوات دبلوماسية وفكرية أمريكية بضرورة إنهاء عمل بعثة الأمم المتحدة “مينورسو” بسبب عدم كفاءتها وقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة منذ 1991 في ضوء توتر الأوضاع وتعاظم خطر الإرهاب والعنف والاتجار الدولي في المخدرات في مناطق تخضع للجزائر، يعد أمرًا يستحق الانتباه.
وأضاف: “نعتقد كمتتبعين للعملية السياسية المرتبطة بالنزاع أن تصاعد الصوت الأمريكي لقطع التمويلات عن بعثات حفظ السلام، وعلى رأسها المينورسو، ليس صوتًا نشازًا، بل هو مقدمة لإجراءات ملموسة من قبل الإدارة الأمريكية للحسم في ما وصفته بهدر لأموال دافعي الضرائب الأمريكيين على بعثات لا تحقق نتائج سوى الحفاظ على الوضع القائم، وهو ما يتنافى تمامًا مع التوجهات الأمريكية الجديدة على المستوى الدولي”.
وتابع قائلاً إن إقرار هذا التوجه الأمريكي الجديد من قبل الرئيس دونالد ترامب سيرخي بظلاله على الوضع السياسي والأمني في المنطقة، وهو ما يفرض على المملكة المغربية الانتقال سريعًا وفعاليًا من مرحلة تدبير النزاع إلى مرحلة الفعل المباشر وتغيير الأساليب والآليات المتبعة، وذلك بالانتقال إلى المبادرة والتحكم بزمام الأمور سياسيًا وأمنيًا في المنطقة، وذلك تنزيلاً لتوجيهات جلالة الملك بضرورة فهم مختلف المتدخلين أن المغرب قد انتقل من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير.
واعتقد الكاين أن زيارة المبعوث الأممي تأتي في هذا الإطار، كخطوة استباقية لأي رد فعل أمريكي قد يقلب قواعد اللعبة في شمال أفريقيا، ويضعف تواجد بعثة “المينورسو” إلى أقصى حد. بيد أنه لا يستبعد أن تدخل المملكة المغربية مرحلة جديدة من التدبير المحلي لأقاليم الصحراء، عبر ابتكار نموذج ترابي جديد لإدارة الصحراء، وتأسيس هيئات إدارية وتمثيلية تستجيب لمتطلبات خطة الحكم الذاتي، بما ينسجم مع الإرادة السياسية وطموحات السكان والواقع على الأرض.
وأشار إلى أنه يمكن أن يشكل إعادة إحياء مؤسسة المجلس الملكي للشؤون الصحراوية ومؤسسة الشيوخ أحد مداخل هذا التغيير المرتقب، تكريسًا لتوجه الانتقال من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير، استنادًا إلى الإرادة السياسية المغربية القوية لإنهاء الصراع على قاعدة “رابح-رابح”، ومراعاة تطلعات الصحراويين في السلم والأمن والرفاه، إلى جانب المكاسب الدبلوماسية الكبيرة التي حققتها المملكة المغربية منذ بدء مسار الاعترافات المتتالية من مختلف مناطق العالم، وفي مقدمتها الاعتراف الأمريكي، الإسباني، والفرنسي، وصلابة مواقف الدول العربية، لا سيما دول التعاون الخليجي.
وختم تصريحه بالتأكيد على أن زيارة دي ميستورا ستشكل نقطة تحول كبرى في تاريخ الصراع، في ظل استمرار الفتور في العلاقات بين المغرب والجزائر، مما يعرقل أي تقدم في المفاوضات حول حل النزاع. وأضاف أن تقدم المملكة دبلوماسيًا وسياسيًا في العديد من الفضاءات القارية والدولية، يبرز رجاحة خطة الحكم الذاتي ونضج دبلوماسية المغرب بقيادة جلالة الملك، في إقناع الأطراف المختلفة التي كانت إلى الأمس القريب معارضة أو مترددة في اتخاذ موقف واضح وصريح من الصراع. كما أشار إلى الحزم والصرامة في صد أي عدوان من شأنه فرض واقع جديد في الصراع، كما حدث مع إغلاق معبر الكركارات في 2020.