يعد مشروع “المدارس الرائدة” من المبادرات التي أطلقها الوزير الأسبق شكيب بنموسى بهدف تحسين جودة التعليم في المغرب وإدخال تغييرات جذرية على النظام التربوي الوطني. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل التحديات التي أشار إليها تقرير التقييم الخارجي الذي أشرفت عليه اللجنة الوطنية للتقييم التابعة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الذي سلط الضوء على عدة عوامل قد تؤثر سلبا على قدرة المشروع في التوسع وتحقيق أهدافه.
ومن أبرز هذه التحديات النقص الحاد في التأطير التربوي، خاصة في المناطق القروية والنائية، حيث يتطلب المشروع زيارات دورية من المفتشين لتقييم تقدم المدارس، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل قلة الموارد البشرية المتاحة، فضلا عن المشاكل المرتبطة بالبنية التحتية الأساسية، مثل نقص الكهرباء والإنترنت في بعض المدارس، مما يحد من قدرة هذه المؤسسات على الاستفادة من الابتكارات التربوية التي يهدف المشروع إلى تعزيزها.
إلى جانب ذلك، أشارت وثيقة المجلس الأعلى إلى أن اختيار المدارس المشاركة في المرحلة التجريبية كان يعتمد على معيار التطوع، مما أدى إلى استبعاد العديد من المدارس في المناطق القروية التي تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية أكبر، بالإضافة إلى القيود المنهجية والهيكلية التي تشكل عوائق أمام تحقيق تحول تربوي شامل.
ويشير التقرير إلى أن النموذج التربوي المعتمد يركز بشكل أساسي على تحسين المعارف الأساسية، دون أن يأخذ بعين الاعتبار تطوير الكفايات الأخرى مثل التفكير النقدي والإبداع. علاوة على ذلك، تطرّق التقرير إلى الهيكلة الصارمة للمواد التعليمية، والتي قد تؤثر على مرونة التعليم وتكيفه مع احتياجات التلاميذ المختلفة.
وعن أهمية التقييم الذي قام به المجلس الأعلى، أوضح رئيس جمعية أماكن لجودة التعليم، عبدالناصر ناجي، أن هذه الأهمية تكمن في كون التقييم خارجيا وقد أنجز من طرف هيئة دستورية، مما يمنحه مصداقية مؤسساتية عالية ويجعله يتفوق على التقييمات السابقة لمشروع “المدارس الرائدة”. وقال ناجي في تصريح لجريدة العمق إن العنوان العريض للتقرير هو أن الإيجابيات القليلة التي رصدها فيما يتعلق بالأثر على التعلمات تخفي وراءها سلبيات جوهرية على هذا المستوى بالذات، وكذلك على مستوى التصور الناظم للمشروع وطريقة تدبيره الميداني. وخلص إلى أن الخلاصة الأساسية للتقرير يمكن تلخيصها في نقطتين رئيسيتين: الأولى هي أن التجربة غير قابلة للتعميم في ظل الإكراهات التي تعيقها على مستوى التأطير التربوي وتأهيل المؤسسات وتجهيزها، والثانية هي أن النموذج المعتمد في “المدارس الرائدة” يتناقض تماما مع التوجهات والاختيارات الكبرى التي تتضمنها الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار.
ويرى ناجي أن وثيقة المجلس حول المدرسة الجديدة ما هي إلا رد على الانزياح الاستراتيجي الذي حدث في فهم الإصلاح في قطاع التربية الوطنية، والمتجسد في مشروع “المدارس الرائدة”. ويشير إلى أن الرهانات السبعة التي وردت في الوثيقة حول المدرسة الجديدة تختلف بشكل كبير عما يتم تنفيذه في المدارس الرائدة، حيث إن ما يتم في هذه المدارس يسير في الاتجاه المعاكس لما ورد في الرؤية الاستراتيجية. كما أشار التقرير إلى أن نسبة التلاميذ الذين تحسن مستواهم بعد استفادتهم من الدعم التربوي والتدريس الصريح تراوحت ما بين 50% و67%، ولكن هذه النسب تتراجع عندما يتعلق الأمر بالمستويات العليا من التعليم الابتدائي. بل إن نسبة كبيرة من المتعلمين، تتراوح ما بين 26% و55%، إما لم تحقّق أي تقدم أو تراجعت مستوياتهم.
وأضاف المصدر ذاته أن ما يثير الانتباه هو أن التقدم الذي حققته بعض الفئات من التلاميذ لم يكن بفضل منهجية التدريس الصريح، وإنما بفضل الدعم التربوي. وهذا يشير إلى أن الطريقة البيداغوجية التي تبنتها الوزارة لم تعطِ النتائج المنتظرة، حتى على مستوى استيعاب المعارف الأساسية، فما بالك إذا كان الطموح في الرؤية الاستراتيجية يتجاوز ذلك ليشمل تنمية الكفايات العليا مثل الابتكار وحل المشكلات والتفكير النقدي. وفي ختام تصريحه، شدد ناجي على أن هذا التقييم يعد بمثابة “دق ناقوس الخطر”، داعيا الحكومة إلى إعادة توجيه إصلاح التعليم بما يتماشى مع توجهات الرؤية الاستراتيجية والقانون الإطار، لضمان تحقيق أهداف الإصلاح بشكل فعّال ومستدام.