يُمثّل شهر رمضان المبارك فرصة بالنسبة للكثير من فئات المجتمع المغربي لقضاء العمرة وزيارة الحرم المكي، بحثا عن التقرب من الله وإشباع الروح؛ وهي الممارسة التي باتت تمثل “موضة” لدى العديد من الساسة ورجال المال والأعمال في الشمال.
ووفق معطيات حصلت عليها جريدة هسبريس الإلكترونية من مصادر مطلعة بجهة طنجة تطوان الحسيمة، فإن عددا من المنتخبين، من ضمنهم رؤساء جماعات ومستشارون ورجال أعمال حاضرون في المجالس المهنية الجهوية المنتخبة، تواروا عن الأنظار مع بداية شهر الصيام.
وحسب المصادر التي تحفظت عن ذكر أسمائها، فإن هذه الفئة من الساسة ورجال المال والأعمال بالشمال دأبوا على قضاء العمرة في رمضان من كل عام؛ وهو ما يجعل من الأمر أقرب إلى الظاهرة التي تلقى إقبالا وانتشارا سنة بعد أخرى، وسط هذه الفئات التي لا تعوزها الإمكانيات المادية في تحقيق ذلك.
ويرى البعض أن عمرة رمضان تمثل مناسبة وفرصة لالتقاط الأنفاس بالنسبة للسياسيين ورجال الأعمال وتجديد الصلة مع الله، بعيدا عن انشغالات الدنيا والجري المستمر وراء الربح والتخلص من “أدران” السياسة ودسائسها التي لا تنتهي.
في تعليقه على الموضوع، قال حسن الموس، الداعية والباحث في العلوم الشرعية، إن من الأمور التي تعتبر من مداخل الشيطان بالنسبة للإنسان المسلم أن “يشغله عن الأعمال الفاضلة بالأعمال الفاضلة”، مؤكدا أن الشيطان يجد للإنسان مدخلا “يلهيه ويشغله بأعمال فاضلة ينفق فيها المال والجهد والوقت، ويترك أعمالا أخرى هي أعظم أجرا وربما واجب الوقت”.
وسجل الموس، في حديث مع هسبريس، أن من القضايا التي تطرح من حين إلى آخر “مسألة تكرار العمرة في كل سنة أو في أكثر من مرة في السنة، وهناك كثير من أغنياء المسلمين وبعض الوجهاء تجدهم يتسابقون إلى هاته العمرات وينفقون عليها الأموال الطائلة في الفنادق الفخمة ويعتقدون أنهم يتقربون إلى الله بهذا العمل”.
واستدرك الباحث في العلوم الشرعية موضحا “نحن لا نشك في أن العمرة هي من العبادات والسنن؛ لكن ينبغي أن يوجه أغنياء المسلمين إلى العناية بأعمال هي أعظم أجرا عند الله تعالى”، لافتا إلى أن هناك “فئات كثيرة من المعوزين والفقراء يحتاجون إلى من ينفق عليهم، وهناك فئات من طلبة العلم من ذوي الاحتياجات وممن تجوز في حقهم الزكاة ويمكن أن نضع سهما لهم لإتمام دراستهم”.
وزاد المتحدث ذاته مفسرا “بل إن هناك قضايا الأمة الخطيرة، مثل القضية الفلسطينية وأهل غزة المشردون الذين يعانون الكثير، هؤلاء حقهم علينا أن ننفق عليهم ونعطيهم من أموالنا لسد جوعتهم”، مشددا على أن المسلم ينبغي أن “يُرتب الأولويات والمصالح، ويحذر من أن يشغل نفسه بأعمال مفضولة قليلة الأجر”.
واعتبر الموس أن تكرار العمرة والحج من الأمور التي ينبغي أن “ينبه عليها أغنياء المسلمين؛ فمن حج حجة الإسلام فهي تكفيه ومن اعتمر مرة تكفيه، اللهم إن كانت بعض الاستثناءات”، مؤكدا أن الأصل هو أن “يحذَر المسلم من أن ينشغل بالأعمال الفاضلة ويترك الواجبات التي تطوق نفسه”.
من جهته، أبرز أحمد شراك، الأكاديمي وعالم الاجتماع المعروف، أن لا أحد يعارض الإشباع الروحي من خلال ممارسة الشعائر الدينية؛ من بينها القيام بعمرة في رمضان من أجل مسح الذنوب والتطهر من الرذائل وموبقات الدنيا، مؤكدا أن ممارسة هذه الشعائر “لا ينبغي أن تكون على حساب خدمة الناس وقضاء حاجاتهم”.
وأشار شراك، في حديث مع هسبريس، إلى أن “سفر هذا المسؤول أو ذاك إلى قضاء عمرة رمضان وهو السفر الذي قد يطول فيطول قضاء الحاجات ويتعطل سير المؤسسات، توجه يجعل الإنسان يتساءل: “هل الأسبقية لقضاء حاجات الناس أم للإشباع الروحي لهذا المسؤول أو ذاك عن مؤسسة أو قطاع أو مجلس محلي أو إدارة جهوية؛ مما يجعل هذه المؤسسات تتعطل أو على الأقل يفتر دورها”.
ولفت عالم الاجتماع المغربي إلى أن “ديننا الحنيف يؤمن بجدلية التعبد والعمل، وأن الأسبقية للعمل والقيام بالواجب تجاه الناس بمختلف حساسياتهم ومشاربهم والمواطنة قبل الشعيرة، وهناك علاقة جدلية بينهما”.
وسجل شراك أنه إذا كان في هذا الشهر الفضيل يغيب “كثير من المسؤولين من أجل شعيرة العمرة ويتركون أمكنتهم فارغة؛ فإن قضاء هذه الشعيرة لا يعارضه أي أحد إذا كان مشفوعا بترخيص قانون من السلطات العليا، أو يكون المنصب معوضا ومفوضا لغيره طوال مدة الغياب”، معبرا عن أمله في أن يكون هذا الغياب “غيابا روحيا محضا”.
كما أبرز المتحدث ذاته أن الحرص على قضاء عمرة رمضان “لا يتعلق بالمسؤولين الإداريين أو السياسيين، وإنما يشمل أيضا، الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية لأن شهر رمضان المعظم هو شهر عطاء وعمل بعيدا عن التبريرات غير المفيدة”، في إشارة إلى أن هذه الفئة تفضل توقيف العمل في رمضان حتى تتخلص من تعب الصيام الذي قد يتضاعف مع أداء العمل والوظائف التي يمارسونها في الأيام العادية.