أكد الناشط الحقوقي والباحث في سوسيولوجيا الهوية، سعيد ألعنزي تاشفين، أن جهة درعة تافيلالت تسجل معدل خصوبة أعلى من باقي جهات المغرب، حيث بلغ 2.35 طفل لكل امرأة، مقارنة بالمعدل الوطني البالغ 1.97 وفق إحصاء 2024.
وأوضح، خلال حلقة جديدة من برنامج “صرخات من الهامش” الذي يبث خلال شهر رمضان على منصات “العمق”، أن هذا الاختلاف يعود إلى مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تجعل الأسر في جهة درعة تافيلالت أكثر ميلًا للإنجاب مقارنة بالمناطق الحضرية الكبرى.
وأكد ألعنزي تاشفين أن العوامل الثقافية والاجتماعية تلعب دورا رئيسيا في هذا الارتفاع، حيث لا يزال المجتمع في درعة تافيلالت متمسكًا بقيم العائلة الكبيرة، وترى العديد من الأسر أن الأبناء هم السند الحقيقي في مواجهة تقلبات الحياة، خاصة في ظل هشاشة أنظمة التقاعد وضعف التغطية الاجتماعية.
وأضاف الناشط الحقوقي، أن النساء في المناطق القروية يعتبرن أن “دواير الزمان هما ولادي”، مما يدفعهن لإنجاب عدد أكبر من الأطفال لضمان مستقبل أكثر استقرارًا، لفقدانها الثقة في الزوج، حيث تقول: “إلى وقعات لي شي حاجة يهزوني ولادي”، أي أن عدم الاطمئنان للمستقبل والخوف من الغد وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة يدفعها لإنجاب 5 أو 6 أبناء.
وأشار الناشط الحقوقي إلى أن البنية السوسيو-مهنية لسكان درعة تافيلالت تؤثر كذلك في ارتفاع معدل الخصوبة، حيث تضم المنطقة نسبة كبيرة من المعلمين والأساتذة والعسكريين والعمال، وهي فئات مهنية تميل عادة إلى إنجاب عدد أكبر من الأطفال مقارنة بالمهن الأخرى كالمحامين والقضاة الذين غالبًا ما يكتفون بطفل أو اثنين أو لا يتزوجون أصلا.
ولفت إلى أن نمط السكن والتكاليف المعيشية في درعة تافيلالت يشجعان على الإنجاب، إذ توفر المنطقة نمط عيش أقل كلفة مقارنة بالمدن الكبرى، حيث يجبر ضيق المساحة وارتفاع تكاليف السكن العائلات على تقليل عدد الأطفال.
وأوضح أن الأسر القروية في الجهة تعيش في منازل واسعة نسبيا، مما يسمح لها بإنجاب أكثر من طفلين، على عكس شقق 50-60 مترًا في المدن الكبرى، التي تفرض على العائلات التكيف مع واقع سكني واقتصادي يحد من الإنجاب.
كما أكد أن سياسات الدعم الاجتماعي والتعويضات العائلية تلعب دورا في قرار بعض العائلات بإنجاب مزيد من الأطفال، مشيرا إلى أن رفع التعويضات العائلية إلى 300 درهم لكل طفل حفز بعض الأسر ذات الدخل المحدود على التفكير في إنجاب طفل ثالث، بالنظر إلى ارتفاع تكاليف المعيشة والحاجة إلى دخل إضافي يساعدها في تدبير المصاريف اليومية.
وأشار ألعنزي تاشفين إلى أن استمرار هذا المعدل المرتفع للخصوبة في درعة تافيلالت ليس مضمونًا، إذ من المتوقع أن يؤدي ارتفاع معدلات التمدرس بين الفتيات، وتحسن فرص العمل للنساء، وارتفاع تكاليف الحياة، إلى انخفاض معدل الخصوبة في المستقبل، كما حدث في باقي جهات المغرب.
وأكد ألعنزي تاشفين أن المغرب يواجه تحديا ديموغرافيا مع انخفاض معدلات الخصوبة، مما يستوجب سياسات جديدة تأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل جهة لتحقيق توازن بين النمو السكاني ومتطلبات التنمية، مع ضرورة مراجعة سياسات السكن والعمل والتغطية الاجتماعية لضمان استقرار المجتمع على المدى البعيد.