سناء الديري
مدة القراءة: 5′
“أحيانا يولد الشغف من لحظة واحدة، من شرارة تضيء في داخلنا نارا لا يمكن لأي شيء أن يخمدها”، بهذه العبارة تلخص الدكتورة سناء الديري بداية اهتمامها بالعلوم والطب. في طفولتها في الدار البيضاء، اصطحبها والدها الراحل، رفقة شقيقتها إلى محاضرة ألقاها البروفيسور رينيه فريدمان في المركز الثقافي الفرنسي في أوائل التسعينيات. في ذلك اليوم، اكتشفت، بابهار، سر أطفال الأنابيب، ذلك الإنجاز العلمي الذي تحدى حدود الممكن.
وقالت في حديثها لـ”يابلادي”: “كنت لا أزال صغيرة، لكنني أتذكر تماما ذلك الانبهار الذي اجتاحني. كيف للعلم أن يمنح الحياة، أن يتحدى المجهول، أن يدفع بالحدود إلى أبعد مما نتصور”.
آنذاك أدركت سناء وهي من مواليد الثمانينات بالدار البيضاء أن هذا العالم سيكون عالمها. فبعد أن بدأت رحلتها الجامعية في جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، انتقلت إلى إمبريال كوليدج في لندن، حيث حصلت على دبلوم جامعي في علم الطفيليات. ثم شدت الرحال إلى جنوب فرنسا، حيث كان المناخ أكثر اعتدالًا مقارنة بإنجلترا، لتحضير درجة الماستر في الفيزيوباثولوجيا (علم الأمراض الوظيفي). لكن رحلتها لم تتوقف عند هذا الحد، إذ كانت تتطلع إلى مواصلة البحث العلمي والتعمق فيه، فانطلقت في دراسة الدكتوراه.
حصلت على دكتوراه في الفيزيوباثولوجيا وعلم الوراثة من جامعة بول ساباتييه بتولوز سنة 2013، لتكرس مسيرتها لفهم الآليات المعقدة للأمراض النادرة، ولا سيما متلازمة برادر-ويلي.
ومن خلال أبحاثها ساهمت في تسليط الضوء على الدور المحوري لبعض جزيئات الحمض النووي الريبي النووي الصغير (snoRNA) في الاستجابة الهرمونية، ما فتح آفاقا علاجية جديدة. وخلال مرحلة ما بعد الدكتوراه، طورت نظاما ثوريا لتحويل خلايا الجلد (الأرومات الليفية) إلى خلايا عصبية دوبامينية، في خطوة متقدمة لفهم الأمراض الوراثية ذات التأثير العصبي.
واليوم، تشغل الدكتورة سناء الديري منصب رئيسة المركز المرجعي للأمراض النادرة التابع لقسم الغدد الصماء وعلم الوراثة وأمراض العظام في مستشفى الأطفال، في المستشفى الجامعي بتولوز.
أمضت الدكتورة سناء الديري أكثر من 15 عاما من الالتزام في مجال البحث الطبي الحيوي، أنجزت خلالها دراسات بشغف، ورافقت مرضاها بإنسانية، ولا تزال تسير بخطى ثابتة نحو آفاق جديدة من المعرفة والاكتشاف.
نشرت العديد من الأبحاث العلمية في مجلات مرموقة ومعترف بها على نطاق واسع. وقد حازت على عدة جوائز علمية مرموقة، من بينها جوائز الجمعية الفرنسية لأمراض الغدد الصماء لدى الأطفال واللجنة العلمية لتولوز متروبول. إلى جانب عملها البحثي، تساهم في نشر المعرفة والتدريب الأكاديمي، إذ درست في جامعة بول ساباتييه، كما أنها شاركت كمحاضرة في مؤتمرات دولية بمدن مثل سان فرانسيسكو، ميلانو، باريس، وسان دييغو.
اليوم، تعود سناء الديري إلى جامعتها الأم في الدار البيضاء، حيث تدرس وحدة علم الجينوم ضمن برنامج الماجستير الدولي بجامعة الحسن الثاني، وقالت: “هناك، التقيت أساتذتي السابقين الذين أصبحوا زملاء لي، لنجعل من هذا الرجوع إلى الجذور مصدر فخر ومسؤولية، وسبيلاً لرد الجميل للوطن”.
إلى جانب نشاطها الأكاديمي، تحرص على نشر الوعي حول الأمراض النادرة، من خلال تنظيم ندوات وورش عمل، بهدف تحسين التشخيص ومتابعة المرضى.
“المغرب يضم نحو 3 ملايين شخص مصاب بهذه الأمراض، ما يجعل الحاجة إلى التوعية والتكفل العلاجي أكثر إلحاحًا. وفي هذا السياق، قمت بإعداد كتيب توعوي لدعم جهود التعريف بهذه القضايا الصحية”.
سناء الديري
إلى جانب مسيرتها الأكاديمية والعلمية، تعد الدكتورة سناء الديري كاتبة مقالات في منصة ODJ، حيث تسلط الضوء على قضايا علمية واجتماعية متنوعة. كما أنها مؤسسة شريكة لأكاديمية مغربيات العالم، وهي منصة تهدف إلى تعزيز دور المرأة المغربية على الصعيدين الوطني والدولي. وتشغل أيضا عضوية المكتب التنفيذي لمنتدى ابن رشد، الذي يسعى إلى تحقيق عدة أهداف، من بينها: جمع الكفاءات، الأطر، ورواد الأعمال، وتوحيد صفوف المسؤولين المنتخبين من أصول مغربية، والدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب، وتقديم الإرشاد للطلاب والمغاربة العاملين في الخارج…
ورغم أن العلم نقلها إلى ما وراء الحدود، فإن قلبها لم يتوقف أبدا عن النبض بحب المغرب، “تلك الأرض التي نشأت فيها، مشبعة بالقيم العميقة والتقاليد التي تمنح القوة والانتماء. في كل مرة أعود فيها إلى وطني، ألاحظ تحولًا مستمرا في البلاد، حيث تتطور البنية التحتية الطبية والعلمية وتحتل النساء مكانة متزايدة الأهمية. لم يعد دورهن مقتصرا على الأدوار التقليدية؛ بل أصبحت النساء اليوم مدرسات، باحثات، مهندسات، ورائدات أعمال، يشكلن مستقبل البلاد بعزم وجرأة”.
أم لابنة في السادسة من عمرها، تعرف نفسها كـ”امرأة مغربية ومواطنة عالمية اختارت الغربة ليس للهروب، بل لتعود أفضل، لتساهم أكثر، ولتربط بين الثقافات”. وأكدت أن تعلقها بالمغرب يبقى “ثابتًا، وكل تقدم علمي أحققه هو أيضًا تكريم لهذا البلد الذي شكل شخصيتي. فالمغرب الذي نحلم به غدًا يُبنى معًا، بفضل أولئك الذين يجرؤون على الحلم ويتجاوزون حدود الممكن”.
وأنهت حديثها قائلة “أنا ممتنة بلا حدود لوالديّ اللذين وثقا بي ومنحاني الفرصة لمغادرة وطني منذ صغري لمواصلة طلب العلم. لقد كافح والدي، رحمه الله، بلا كلل ليمنحني ولأخواتي وأخي أفضل الفرص التعليمية. أما والدتي، حفظها الله، فلم تتوقف يوما عن دعمنا بكل حب وتفان. لن تكفي الكلمات أبدا للتعبير عن مدى امتناني لهما”.