الإثنين, مارس 31, 2025
Google search engine
الرئيسيةالشامل المغربيحين تتكلم الحكمة.. يصمت العبث ويستمر الوطن

حين تتكلم الحكمة.. يصمت العبث ويستمر الوطن


منذ القدم، كان المغرب أرض الحكمة والعقلاء، بلادا تعرف كيف تخرج من عواصف الأزمات والمحن بقوة التماسك ووحدة الصف. وفي كل المنعطفات التاريخية الحرجة، كان هناك دائمًا حكماء وقادة يستحضرون صوت العقل، ويقدمونه على كل صوت آخر. واليوم، ونحن نعيش ظرفية دقيقة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، يظل هذا الإرث الحكيم حاضرا وضروريا أكثر من أي وقت مضى.

نعم، المغرب بلدٌ لا ينكسر أمام الأزمات. في كل مرة يشتد فيها الخناق وتتعاظم المحن، ينبثق صوت الحكمة من بين الضجيج، وتعلو لغة العقل فوق كل الأصوات. والمغاربة يدركون جيدا، من خلال التجربة، أن هذا الوطن العزيز محصن برجالات دولة يدركون متى يُقال “كفى” ومتى يُفتح باب الإصلاح والتغيير.

الدولة المغربية ليست كيانا منفصلًا عن نبض المجتمع، بل تعودنا على أنها تُنصت جيدا وتحسن التفاعل مع قضاياه الكبرى، وتُجيد قراءة المزاج العام، وتُحسن اختيار لحظات التفاعل الذكي مع المواطنين، إدراكا منها أن السلم الاجتماعي والتماسك الوطني ليسا خيارا، بل ضرورة وجودية. وهو ما عزز من استقرار البلاد وسط محيط إقليمي ودولي شديد الحساسية والتعقيد والاضطراب.

اليوم، لم يعد المواطن المغربي رهينًا لوسائل إعلام رسمية أو صوت واحد. الثورة الرقمية كسرت الجدران العالية، وخلقت وعيا جماعيا ناضجا، يُتابع، يُحلل، ويُمارس، وساهمت في تشكيل راي عام مغربي ناضج وفعال، يمارس ضغطه المشروع في زمن أصبحت المعلومة ملكا للجميع لصالح قضايا تهم الوطن والمواطن. في هذا المناخ، الدولة تجد نفسها مجبرة على الإصغاء، وتدرك جيدا أن هذا الرأي العام هو شريك حقيقي في معادلة الاستقرار.

لقد تعلم المغرب، بذكاء نادر في محيطه الإقليمي، كيف يُدير الأزمات الكبرى وخلق “الاستثناء المغربي”. تذكروا جيدا تلك اللحظة الفارقة حين انقسم المجتمع بين مسيرتين مليونيتين: واحدة في الرباط وأخرى في الدار البيضاء، والملف الشائك هو مدونة الأسرة. يومها، الدولة لم تنحز لأي من الطرفين، بل انتصرت للأسرة في مفهومها الشامل، حيث كرامة المرأة وحقوق الرجل ومصلحة الطفل تلتقي في نقطة توازن نادرة.

ثم جاءت تجربة الإنصاف والمصالحة، البعض اعتبرها في ذلك الوقت مغامرة غير محسوبة العواقب، لكن الإرادة القوية والحكمة المتبصرة وبعد النظر .. هي من انتصر لتعلن للعالم أن المغرب قرر أن يُواجه ماضيه بشجاعة، ويُقدم نموذجا فريدا في مجال العدالة الانتقالية على المستوى الدولي.

ولما اجتاح “ربيع الشعوب” او ما يعرف ب”الربيع العربي” المنطقة، وسقطت أنظمة كأوراق الخريف، كان المغرب يكتب مسارا خاصا به. الإصلاح بدل القطيعة، التعقل بدل المغامرة.. الدولة لم تساير لا اليسار الراديكالي ولا الإسلام السياسي، بل راهنت على توطيد دولة المؤسسات وركائز الديمقراطية الناشئة. والتعامل الذكي مع موجة “الربيع العربي”، جنب البلاد منزلقات العنف والحروب، وتغليب منطق الإصلاح بدل الصدام.

واليوم، وفي عز الأزمة الاجتماعية المقلقة والاقتصادية الخانقة، حين بدا أن لوبيات الاحتكار تدفع البلاد إلى حافة الهاوية وخطر الانفجار، تدخل جلالة الملك محمد السادس بحكمة معروفة عنه، وقرّر إلغاء اداء شعيرة عيد الأضحى، إدراكا لثقل اللحظة، ولحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

وقبلها في لحظة أخرى دقيقة كان ملف حقوق الإنسان في المغرب محط أنظار دولية، أصدر عفوه عن عدد من الصحفيين المعتقلين، في رد واضح على محاولات النيل من صورة “المغرب الحقوقي” دوليا.

لكن المؤسف أن هناك من لا يزال يراهن على شد الحبل نحو الوراء. هناك من يحلم بإعادة المغرب إلى زمن الخوف، زمن تكميم الأفواه وتنميط المجتمع.. هؤلاء ينسون أن المغاربة اليوم ليسوا أرقاما صامتة، بل مواطنون أحرار، يدافعون عن حقهم في الكلمة الحرة والتفكير النقدي، ولن يسمحوا بالعودة إلى الوراء.

نعم، الوضع صعب. الرأسمال العالمي المتوحش ينخر الدول في اقتصادها، وانعكاساته ظاهرة هنا: لوبيات تحتكر السوق، أسعار تلتهب، فساد يكاد يصبح ثقافة لا استثناء.. هذا الخلل البنيوي ينعكس مباشرة على الجسم الإعلامي والسياسي، ويزيد من توتر المشهد العام.
هذه التحديات تستدعي اليوم أكثر من أي وقت مضى حضور الحكماء في المشهد السياسي والإعلامي، للدفاع عن المكتسبات الديمقراطية، وحماية السلم المجتمعي.

المغرب يراهن على العقلاء. أولئك الذين يرفعون صوتهم عاليا في مواجهة العبث، دفاعا عن الاستقرار والامن والتماسك الوطني، بعيدا عن حسابات الربح والخسارة. لأن الوطن لا يُقاس بميزان المصلحة الآنية، بل بميزان التاريخ، الذي يُسجل بانصاف أن المغرب، حين يحكمه العقل، ينتصر دائما.

التاريخ المغربي مليء بالدروس التي تؤكد انتصار منطق الحكمة والعقل في كل الأوقات العصيبة. واليوم، نحتاج إلى ذات هذا النفس الإصلاحي، وهذا الحس العميق بمصلحة الوطن فوق كل اعتبار. فالحكماء موجودون، وصوتهم حاضر ووازن، وسيظل هو الحصن الحصين أمام كل من يحاول تهديد وحدة المغرب واستقراره وسلمه الاجتماعي. لأن مصلحة الوطن، كما كانت دائمًا، هي البوصلة التي لا تخطئ الطريق.

الحكمة لم تكن يومًا ضعفا، بل كانت ولا تزال سلاح المغرب السري في مواجهة العواصف.

نعم، الحكمة ليست خيارا بين خيارات، بل هي قدر مغربي متجدّد تجسد استثناءه. لهذا، سيظل المغرب، كلما اشتدت المحن، يُنصت لصوت الحكماء الذين لا تعلو عليهم مصلحة، سوى مصلحة الوطن.



Source link

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات