
في زاوية قصيَّة من المدينة، حيث تتشابك الأزقة كعروق نخرة، تتوارى “حارة المجانين” عن عيون العقل والمنطق، غارقةً في متاهةٍ من التناقضات، يختلط فيها الحابل بالنابل و تتشابك فيها الحقائق بالأوهام، حارة لا يبدو ظاهرها مختلفًا عن بقية الأزقة الشعبية، لكنها تحتوي بداخل مساكنها الضيقة وبيوتها المتهالكة مجموعة من الشخصيات التي صنعت لنفسها شهرةً على الشبكة العنكبوتية، وأصبحت رمزًا للتفاهة في المشهد الرقمي المغربي، فيها يجتمع مخبولي الويب، كلٌّ منهم يحمل قصته الخاصة، وطريقته الفريدة في استغلال الإنترنت لتحقيق سمعة مشبوهة.
على عرش هذا الحي، يتربع النصّاب الماهر هشام جيراندو الذي اعتاد التلاعب بالحقائق كما يتلاعب المقامر بالأوراق، يعيد تشكيل الواقع ليُناسب خرافاته من قبيل تعرضه للسحر أو انقلاب وشيك في المغرب، قبل أن يقدمه لمريديه على أنه يقينٌ لا يقبل النقاش، يختبئ خلف قناع الباحث عن الحقيقة، لكنه في الواقع تاجر بارع في الأكاذيب و الابتزاز، يلوح بشعارات “الحصرية” و “المصادر الموثوقة”، متغافلا أنه على وشك التهاوي في شر أعماله و بلاء أفعاله.
غير بعيد عن جيراندو، يقطن الريسوني سليمان أو كما يلقبه البعض بـ”طاحن الغلمان”، متقمصًا دور الصحفي الثائر الذي لا يُقهر، في حين أنه مجرد مستبد صغير يستمتع باللهو بقطع الشطرنج “البشرية”، يتقيأ بلا هوادة خليطًا من الخزعبلات والأوهام، وكأن معدته قد امتلأت بالأكاذيب حتى طفحت على رؤوس المارة، يلعن سليمان السلطة بلسانه، لكنه لا يتوانى عن ممارستها ضد المضطهدين في عقر داره بمباركة و تشجيع من عقيلته خلود، ينادي بالحرية وهو أول من يكبّلها.. الريسوني و بعد خروجه من السجن، وجد نفسه وحيدًا، منبوذًا، بلا عمل ولا سند. لم يمضِ وقت طويل حتى ارتمى في أحضان أعداء الوطن في صفقة مكتملة الأركان : صوتك لنا، قلمك لنا، ورأيك يُصاغ وفق ما نريد، يدون مقالات غاصّة بالافتراءات، تُهاجم الدولة و المؤسسات و تُضعف ثقة الناس في وطنهم كما تزرع بذور الشك إبان كل إنجاز.
أما حميد المهداوي، فهو ساحر الحارة الأجش، لكنه ليس ساحرًا كغيره ممن يُبهجون الناس بالخدع البصرية، بل هو ساحر الكلمة، يهتف له السذّج والمغفلون، مبهورين بخطاباته الكوميدية.. هو الشعبوي الذي يحترف الصراخ و العويل أكثر مما يحترف التفكير، يتوسد المايكروفون كأنما هو منبر الحق المطلق و يدّعي أنه صوت المستضعفين، لكنه في الحقيقة مجرد بائع للوهم، يوزع الكلمات الجوفاء كما يوزع بائع متجول بضاعته الكاسدة.. يرفع قبضته في الهواء، يصرخ، يهدد، ثم يعود إلى صمته الطويل حين لا يجد أذنًا تسمع أو جيبًا يدفع.. المهداوي صار عاشقا لفن الكلام الرخيص و حوّل منبره الإعلامي “بديل” إلى مقهى مفتوح، يستقبل من هبّ ودبّ أيًّا كان غرضه أو نواياه، لا يهمه مصدر المعلومة ولا صدق الرواية، المهم أن تُصنع الجلبة المطلوبة، وأن يبقى صوته صادحاً وسط فضاء الويب المغربي.
بالمقابل، و في وسط الحارة ، يتقافز البهلوان “علوان”، مهرّج الحارة الذي لا يتوقف عن الإضحاك، يحاول تقديم نفسه على أنه الوحيد الذي يمتلك “شيفرة” الحقيقة و يمسك بناصية القضايا التي تثير الرأي العام، ليبرز في المشهد الإعلامي كما لو أنه نجم ساطع في سماء إعلامية ضبابية.. علي المرابط اختار لعب دور “القواد” لفائدة نظام العسكر الجزائري بالعمل على الترويج لقصص مفبركة و التسويق لكل الأصوات النشاز من شرذمة و عدميين و طوابرية قصد الاصطفاف إلى جانب رؤى و أطروحات تبونية/شنقريحية تهدف إلى تقسيم الصف الوطني المغربي.
هكذا إذن هي زنقة “الويب المغربي” بكل تناقضاتها و مفارقاتها، الداخل إليها مفقود و الخارج منها مهبول.. هناك حيث تتحول الفوضى إلى نظام، و يُرفع الجهل إلى مرتبة القداسة، يُحاكم المنطق أمام محاكم التفتيش الرقمية، وتُصنع الحقائق كما تُصاغ الأساطير. في هذا الحي البئيس، لا شيء يتغير سوى عدد الضحايا الذين يسقطون تباعا و على مدار اليوم في فخ التضليل و التمويه و فِخاخ الدعاية.