لا حديث هذه الأيام سوى عن الصدمة التي أحدثتها التصريحات النارية لنزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، والتي فجرت قضية دعم استيراد الأغنام والأبقار، إذ كشف القائد الحزبي عن استفادة كبار المستوردين من مبالغ مالية ضخمة، قدرت بـ 13 مليار سنتيم، تحت ذريعة دعم القدرة الشرائية للمغاربة وخفض أسعار اللحوم الحمراء التي بقيت ملتهبة، فيما تضخمت الحسابات البنكية للمحظوظين المستفيدين، لتجد الحكومة نفسها أمام فضيحة جديدة تعري واقع التدبير العشوائي، وتعيد النقاش حول شفافية توزيع الدعم العمومي.
وأكدت المصادر أن النيابة العامة المختصة لم تتأخر كثيرا في التفاعل مع هذه المعطيات، إذ أعطت تعليماتها للفرقة الوطنية للشرطة القضائية لفتح تحقيق موسع حول وجود شبهة اختلاس أموال عمومية موجهة لهذا الدعم، خاصة بعدما بدأت بعض الأسماء تتسرب إلى العلن، من بينها برلمانيان نافذان، الأول من جهة بني ملال، والثاني من جهة الدار البيضاء سطات، واللذان يروج أنهما استفادا بشكل كبير من هذه “الكعكة”، دون أن يظهر لذلك أثر على الأسعار في الأسواق.
ولم تعد المسألة مجرد حديث إعلامي أو اتهامات متبادلة بين السياسيين، بل تحولت إلى قضية رأي عام تهدد بنسف ما تبقى من الثقة في رجال السياسة، حيث خرج المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان بالمغرب ببيان ناري، أدان فيه ما وصفه بتفشي الفساد وتغلغله، في ظل صمت رسمي مطبق، وتواطؤ مكشوف لبعض الجهات النافذة التي تحاول حماية لوبيات تحتكر الاقتصاد الوطني، وتتحكم في الأسعار بذرائع العرض والطلب.
وطالبت الجمعية الحقوقية بفتح تحقيق شفاف ونزيه حول مصير هذه الأموال الضخمة، مع ترتيب الجزاءات اللازمة في حق كل من ثبت تورطه في التلاعب بالمال العام، وذلك تماشيا مع مطالب المغاربة الذين خرجوا قبل أكثر من عشر سنوات إلى الشارع للتنديد بالفساد والاستبداد، ليتقاجؤوا اليوم بعودة بعض رموز تلك المرحلة الذين أصبحوا هم أنفسهم في مواقع المسؤولية، يتحدثون بلسان المعارضة وهم جزء من المشكل، في مشهد يختزل العبث السياسي الذي يطبع المرحلة.
وتحاول الحكومة التي وجدت نفسها في موقف حرج، جاهدة امتصاص الغضب الشعبي عبر تصريحات متفرقة لوزرائها، لكن ما زاد الطين بلة هو الموقف الذي عبر عنه وزير العدل داخل قبة البرلمان، حين رفض بشكل قاطع تعديل القانون الجنائي بما يسمح للجمعيات الحقوقية وجمعيات حماية المال العام بمقاضاة المنتخبين والمسؤولين المتورطين في قضايا الفساد، وهي الخطوة التي أثارت موجة سخط واسعة، حيث اعتبرت محاولة صريحة لحماية رموز الفساد، وتكريس الإفلات من العقاب، خاصة بعد سحب مقتضى تجريم الإثراء غير المشروع، في خطوة وصفها كثيرون بأنها تحمل نوايا مبيتة لضرب مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.