قال حقوقيون مغاربة إن إدانة الكاتب الجزائري بوعلام صنصال من لدن “محكمة الدار البيضاء للجنح” في الجزائر، اليوم الخميس، بالسجن خمس سنوات مع النفاذ “تحمل في طياتها نزعة انتقامية ضد رجل الفكر والثقافة” الذي صرح بأن “بعض المناطق من بلده الجزائر كانت مغربية في فترة من التاريخ” وأن فرنسا خلال الفترة الاستعمارية “ضمّت أطرافا من المغرب إلى التراب الجزائري”؛ مما أدى إلى شساعة الحدود البرية للجار الشرقي.
وشدد الحقوقيون المغاربة على أن “الحكم يعزل الجزائر عن الوعي الحقوقي الكوني”، مبرزين أنه “ليس فقط إدانة لصنصال؛ بل هو إدانة للجزائز الرسمية نفسها، التي كشفت للعالم زيف أسطوانتها المشروخة عن حقوق الإنسان التي لا تعدو أن تكون شعارا لتزيين الواجهة وإخفاء واقع مرير قوامه القمع والاستبداد”، لافتين إلى أن “الجزائر تُهدد القيم الكونية، وتستوجب المحاسبة والفضح أمام المنتظم الدولي”، وفق قول إدريس السدراوي.
ملاحقة بسبب المغرب؟
عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، قال إن المحاكمة الممتدة لشهور للكاتب الجزائري بوعلام صلصال “سياسية بامتياز وانتهاكا لحرية الرأي والتعبير، بصرف النظر عن الاتفاق معه في آرائه ومواقفه من عدمه”، مضيفا أن “تصريحه بكون الحدود الجزائرية الحالية غير صحيحة كلام سليم تاريخيا، حيث أشار إلى أن الجزائر تسيطر على جزء من الأراضي المغربية”.
وأبرز الخضري، ضمن تعليقه كحقوقي على الحكم، أن “صنصال أشار إلى أن ترسيم هذه الحدود صنيعة فرنسية خلال الاستعمار الفرنسي الذي كان يعتقد أن احتلاله للجزائر سيكون دائما ولن يزول”، موردا أن “توجيه اتهام إليه بارتكابه ‘أفعالا تهدد أمن الدولة’ واعتبارها ‘أعمالا إرهابية’ باطل وخارج السياق بالمرة، لكون هذه التصريحات مجرد وجهة نظر تستند إلى حقائق تاريخية.. وكان الأجدر تجاهل أقواله أو الرد عليها افتراضا بحجج تاريخية حتى لو كانت غير موجودة”.
واعتبر الحقوقي المغربي أن “هذا الحكم يعكس مدى تسييس القضاء في الجزائر بما يقوض الحريات العامة، وخاصة حرية الرأي والتعبير في البلد المغاربي”، مشيرا إلى أن “صلصال يملك الجنسية الفرنسية ومن المدافعين عن الحقبة الاستعمارية الفرنسية. لذلك، يبدو تدخل الحكومة الفرنسية للضغط على النظام الجزائري لثنيه على معاقبته منطقيا إلى حد ما”.
وزاد المتحدث عينه: “لن تقف باريس عند هذا الحد؛ بل هناك آمال لتمتيعه بعفو رئاسي من قبل الرئيس عبد المجيد تبون، ضمن تفاهمات بين البلدين في الأيام أو الأشهر المقبلة”.
حكم يعزل الجزائر
إدريس السدراوي، رئيس الرابطة المغربية لحقوق الإنسان، قال إن “محاكمة صنصال علامة خطيرة تعكس تدهور وضعية حقوق الإنسان في الجزائر”، معتبرا الحكم “جائرا”، وزاد: “إنه استعمال مفضوح للعدالة كأداة لتصفية الحسابات السياسية والفكرية، واستغلال صريح لقانون الإرهاب لملاحقة المثقفين وأصحاب الرأي. هذا الحكم لا يمكن فصله عن الصراعات السياسية الدولية بين الجزائر وفرنسا، والتي باتت تُصَرَف داخل المحاكم الجزائرية”.
وأورد السدراوي، ضمن تصريح لهسبريس، أن الحكم يمثل “انتهاكا صارخا لمبدأ استقلالية القضاء، وفي تحدٍّ مباشر للالتزامات الدولية للجزائر، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يكفل حرية الرأي والتعبير ويحظر الاعتقال التعسفي”، مدينا “بشدة هذا الانزلاق الخطير نحو القمع المُمَنهج، وأحمل النظام الجزائري كامل المسؤولية عن هذا الاعتداء على حرية الفكر والإبداع”.
ودعا الفاعل الحقوقي عينه “الأمم المتحدة، وخاصة المفوضية السامية لحقوق الإنسان، والمقررين الأمميين الخاصين بحرية الرأي والتعبير واستقلال القضاء إلى التدخل”.
وتابع: “إدانة الرجل لا يُمثل فقط خرقا لحرية التعبير؛ بل يُجسد لحظة سقوط أخلاقي وسياسي تعزل الجزائر عن الوعي الحقوقي الكوني”، معتبرا أنه “بينما تتقدم الإنسانية نحو تكريس حرية الفكر كحق مقدس، يُصر نظام الكابرانات على الارتماء في مستنقع القمع والتخلف الحقوقي، مطلقا النار على ما تبقى من شرعية أخلاقية وقانونية. فكيف يمكن لدولة تُمارس الإرهاب القضائي ضد مفكريها أن تدعي الانتماء إلى المنظومة الدولية لحقوق الإنسان؟”.