الإثنين, مارس 31, 2025
Google search engine
الرئيسيةالرئيسيةبين “تسديد التبليغ” وفقدان التأثير – لكم-lakome2

بين “تسديد التبليغ” وفقدان التأثير – لكم-lakome2


في إطار ضبط الخطاب الديني في المساجد، ابتكرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب مفهوم “تسديد التبليغ”، وهو آلية تُلزم الخطباء بالالتزام الحرفي بنصوص رسمية تُرسل إليهم مسبقًا. الهدف من هذا الإجراء، كما يُفهم، هو منع استغلال المنابر الدينية لأغراض سياسية أو متطرفة، لكنه أدى في الواقع إلى إفراغ خطب الجمعة من جوهرها التوعوي والإيماني.
لم يعد للخطيب مساحة كافية للاجتهاد أو التفاعل مع قضايا المجتمع، بل أصبح أشبه بمن يقرأ بيانًا رسميًا دون روح أو تأثير. هذا الجمود جعل المصلين ينفرون من الخطبة، حيث لم تعد تقدم لهم شيئًا جديدًا أو محفزًا على التفكير والتغيير. وبدل أن تكون الخطبة مصدر إلهام وقوة روحية، صارت في كثير من الأحيان مجرد كلمات مكررة تُلقى دون اهتمام، ينتظر المصلون نهايتها لأداء الصلاة ثم المغادرة في اتجاه ” قصعة الكسكس”.
نتيجة لهذا النهج، أصبح أغلب المصلين مستائين من خطب الجمعة، حيث يرون أنها رتيبة، متكررة، وغير متصلة بمشاكلهم الحياتية. كثيرون يحضرون فقط لأن الخطبة شرط لصحة الصلاة، وليس لأنهم يجدون فيها فائدة أو قيمة. بل إن البعض يستغل وقت الخطبة في التفكير في أموره الشخصية، أو حتى في النوم بسبب ضعف الإلقاء ورتابة الأسلوب، خاصة اذا كان الخطيب لا يتقن القراءة.
ثم من أبرز مشكلات خطب الجمعة اليوم أنها تكرر معطيات محفوظة ومتاحة للجميع على شاشات الهواتف والحواسيب. في الماضي، كان المسجد هو المصدر الأساسي للتوجيه الديني، أما اليوم، فقد تغيرت الأمور بشكل جذري. المصلون لديهم وصول فوري إلى آلاف المحاضرات والدروس الدينية عبر الإنترنت، سواء على يوتيوب أو منصات أخرى، ما يجعل الخطبة المكررة فاقدة لقيمتها تمامًا.
لماذا يحتاج المصلون إلى سماع درس عن الصبر أو بر الوالدين بنفس الطريقة التقليدية، بينما يمكنهم في أي لحظة مشاهدة محاضرة عميقة ومؤثرة يلقيها داعية بارع على الإنترنت؟ لماذا يتم التركيز على مواضيع عامة مكررة، بينما هناك قضايا ملحة في المجتمع لا يتناولها الخطباء؟ هذه الأسئلة تعكس فجوة كبيرة بين ما يتوقعه الناس من خطبة الجمعة وما يتم تقديمه لهم بالفعل.
الأصل في خطبة الجمعة أن تكون موجهة للمصلين الموجودين أمام الخطيب، تتناول قضاياهم المحلية وتلامس همومهم اليومية. فلا يعقل أن يُفرض موضوع موحد على كل المساجد في ربوع المملكة، لأن مشاكل سكان مدينة كبرى ليست بالضرورة هي نفسها التي يعاني منها أهل القرى أو المناطق النائية.
على سبيل المثال، سكان مدينة صناعية يعانون من مشاكل العمالة والحقوق المهنية، بينما سكان منطقة قروية قد يكون هاجسهم الأكبر هو الجفاف وتأثيره على الفلاحة. فكيف يمكن أن تكون خطبة موحدة تلبي حاجات الجميع بنفس الطريقة؟ هذا التعميم يفقد الخطبة فعاليتها، ويجعلها منفصلة عن واقع الناس، بينما المطلوب هو خطاب حيّ يتفاعل مع البيئة المحيطة، ويتناول المشكلات الحقيقية التي تؤرق المصلين في كل مسجد على حدة.
ناهيك ان في الأصل، خُطبة الجمعة محطة إيمانية مهمة، تُجدد الإيمان في القلوب، وتُحفّز المسلمين على تحسين سلوكهم وتقوية علاقتهم بالله والمجتمع. لكن حين يفقد الخطاب روحه وحيويته، تتحول الخطبة إلى مجرد إجراء روتيني لا يترك أثرًا حقيقيًا.
يجب أن يشعر المسلم عندما يحضر خطبة الجمعة بأنه يخرج بفكرة جديدة، بحافز إيماني قوي، أو بحل عملي لمشكلة تواجهه في حياته. أما عندما تتحول الخطبة إلى مجرد درس نظري يكرر معلومات يعرفها الجميع مسبقًا، فإنها تفقد دورها كوسيلة توجيهية.
إذا لم يتم تحديث خطبة الجمعة وجعلها أكثر ارتباطًا بحياة الناس، فإنها ستفقد تأثيرها تمامًا، وسيبقى الحضور مجرد التزام شكلي دون روح أو فائدة حقيقية. إن المسجد ليس مجرد مكان للصلاة، بل منبر للتوعية والإصلاح والتجديد، وإذا استمر الخطاب الديني في جموده الحالي، فإن الإقبال عليه سيتحول إلى مجرد عادة شكلية دون أي تأثير روحي أو فكري حقيقي.

آراء أخرى



Source link

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات