يثير ملف الإعفاءات الضريبية والجمركية لمستوردي الأغنام والأبقار جدلًا متزايدًا في المغرب، وسط تضارب حاد في الأرقام المعلنة من قبل المسؤولين السياسيين، واتهامات بإفادة فئة محدودة من المستوردين دون أن ينعكس ذلك على أسعار اللحوم في السوق المحلية.
تناقضات في الأرقام.. من يقول الحقيقة؟
في قلب هذا الجدل، يقف تضارب المعطيات بين رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، الذي صرّح بأن قيمة الإعفاءات لم تتجاوز 300 مليون درهم، وبين الأرقام التي أعلنها نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، والتي تُشير إلى أن المبلغ الحقيقي بلغ 13,3 مليار درهم، وفقًا لوثائق رسمية موقعة من رئيس الحكومة عزيز أخنوش.
وحسب بنعبد الله، فإن الإعفاءات التي مُنحت لمستوردي المواشي بين 2022 و2024 شملت:
-
تعليق رسوم الاستيراد على الأبقار (120 ألف رأس) بين أكتوبر 2022 وديسمبر 2024، بقيمة 7,3 مليار درهم، استفاد منها 133 مستوردًا.
-
إعفاء من الضريبة على القيمة المضافة (TVA) بين فبراير 2023 وأكتوبر 2024، بقيمة 744 مليون درهم.
-
تعليق الرسوم الجمركية على الأغنام بين فبراير 2023 وأكتوبر 2024، بتكلفة 3,86 مليار درهم.
-
إعفاءات من TVA على الأغنام خلال نفس الفترة، بلغت 1,16 مليار درهم.
هذه الأرقام تثير تساؤلات جدية حول دقة التصريحات الرسمية، وتطرح شكوكًا بشأن المستفيدين الحقيقيين من هذه الإعفاءات، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار اللحوم دون أن ينعكس هذا الدعم الضريبي على القدرة الشرائية للمواطنين.
دعوات للتحقيق البرلماني والمحاسبة
مع تصاعد الجدل، دعا حزب العدالة والتنمية في فبراير الماضي إلى فتح تحقيق رسمي حول هذه الإعفاءات، كما جدّد النائب البرلماني عبد الصمد حيكر المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية وفقًا للفصل 67 من الدستور، وهو ما يتطلب دعم ثلث أعضاء مجلس النواب (131 نائبًا)، في خطوة قد تكون صعبة في ظل التوازنات الحزبية الحالية.
الخبراء: غياب الشفافية والمراقبة حول الإعفاءات الضريبية
اعتبر هشام الناجي، أستاذ الاقتصاد السياسي، أن هذه الإعفاءات تمثل “خسارة مالية ضخمة للدولة دون أي تأثير إيجابي على الأسعار”، مؤكدًا أن:
“الدولة خسرت 13 مليار درهم لصالح فئة محدودة من المستوردين، لكن المواطن لم يلمس أي انخفاض في أسعار اللحوم.”
وأضاف أن غياب آليات التتبع والمحاسبة يحوّل السياسات العمومية من أدوات لتحقيق التوازن الاجتماعي إلى “قنوات لإعادة إنتاج الريع بطرق أكثر تنظيمًا وشرعية”، مؤكدًا أن الأزمة ليست فقط في حجم الأموال الممنوحة، ولكن في غياب الشفافية حول المستفيدين الحقيقيين.
مستوردون: الإعفاءات لم تشمل الجميع والسوق يعرف احتكارًا غير معلن
أحد أكبر المستوردين في المغرب، ويعمل في السوق منذ أكثر من عشر سنوات، كشف أن الإعفاءات لم يستفد منها سوى عدد محدود من كبار المستوردين، قائلًا:
“عندما ترغب في استيراد شحنة، تواجه عراقيل وتعقيدات إدارية، بينما الإعفاءات تذهب إلى أشخاص معينين معروفين لديهم العلاقات والنفوذ، أو محسوبين على جهات سياسية.”
وأضاف:
“كنا نسمع في الإعلام عن دعم الدولة لاستيراد المواشي، لكن في الواقع، صغار المستوردين لم يستفيدوا من شيء، والأسعار في السوق لم تنخفض.”
إلى أين يتجه الجدل؟
في ظل غياب أي رد رسمي من الحكومة حول هذه الأرقام المتضاربة، يبقى الرأي العام عالقًا بين روايتين متناقضتين، بينما تتزايد المطالب بفتح تحقيقات رسمية للكشف عن المستفيدين الحقيقيين وضمان الشفافية في منح الإعفاءات الضريبية.