يعدّ الضحك ظاهرة إنسانية ثرية ومتعددة الأبعاد، تمتزج فيها العاطفة بالفكر، ويتقاطع فيها النفسي مع الفلسفي. فهو ليس مجرد استجابة عفوية لموقف طريف أو محرج؛ بل هو لغة عالمية تعبر عن أعمق المشاعر وأكثرها تناقضا. إنه جسر يصل بين العقل والجسد، وبين الوعي واللاوعي؛ بل ويكشف في كثير من الأحيان عن جوانب خفية في النفس الإنسانية. وما يثير فضول الفلاسفة والمفكرين هو قدرة الضحك على تجاوز حدود العقلانية؛ بل والتملص منها أحيانا، ليكشف عن جوهر أكثر تلقائية وحرية في إدراك العالم والتفاعل معه.
إذا كانت العقلانية ترتبط بالتحكم في المشاعر والسيطرة على التفكير، فكيف يمكن للضحك أن يكون قوة تقوض هذا النظام، وتحرر الإنسان من قيوده؟ أيكمن في الضحك تحدّ للعقلانية ومناهضة لقيمها الراسخة، أم أنه في جوهره انفلات ضروري من أسر الجدية والتوتر يمنح العقل فسحة للتخفف من صرامته، ويعيد إلى الإنسان تلقائيته المفقودة؟
في هذا السياق، يبرز التساؤل الأعمق حول طبيعة العلاقة بين الضحك والعقلانية: هل هما نقيضان في صراع دائم، أم أن الضحك، في بعده الأعمق، ليس إلا امتدادا خفيا للعقلانية، يكشف عن مرونتها وقدرتها على استيعاب الهزل كجزء أصيل من التجربة الإنسانية؟
ضحك برغسون
يعتبر Henri Bergson هنري برغسون في كتابه Le Rire : essai sur la signification du comique الضحك ظاهرة تنشأ من المواقف التي يظهر فيها الفرد أو الجماعة سلوكا آليا أو جامدا، أي عندما تتوقف الأفعال البشرية عن التكيف مع السياقات المتغيرة وتصبح متكررة ومحددة في آن. بعبارة أخرى، يبدو الضحك رد فعل اجتماعي يهدف إلى إعادة الأفراد إلى سلوكيات أكثر طبيعية ومرونة؛ ما يساهم في تأكيد الفاعلية الإنسانية في مواجهة الجمود الاجتماعي. بهذا المعنى، يظهر برغسون كيف أن الضحك يعبر عن انقطاع التواصل الحقيقي بين الإنسان وواقعه، حين يكون السلوك البشري محاصرا، مغلقا على نفسه، ولا يستطيع الفرد التجاوب مع محيطه بروح التفاعل الإنساني الخالص.
من خلال هذا المنظور، يعتقد برغسون أن الضحك يحمل طابعا اجتماعيا نقديا، إذ يكشف عن حقيقة تدهور الفاعلية الإنسانية في مواجهة الخضوع للآليات المتكررة. بهذا المعنى، ليس الضحك مجرد علامة على تفريغ العواطف، بقدر ما هو تفكيك لهوية الإنسان الاجتماعية في لحظة تفجر التكرار الميكانيكي لهذا الموقف أو ذاك. يقصد برغسون بالتكرار الميكانيكي ذلك السلوك الذي يفقد طابعه الحيوي ليصبح أشبه بحركة آلية تكرر نفسها دون وعي أو تفاعل مع الواقع. من هنا، يبدو الضحك ظاهرة إنسانية عصية على التفسير الأحادي، إذ يتجاوز كونه استجابة عفوية لمواقف هزلية ليصبح مدخلا فلسفيا لفهم طبيعة الإنسان وعلاقته بالعالم؛ وهو بهذا آلية معقدة تحمل في طياتها دلالات فلسفية حول الحياة والمجتمع والعقل الإنساني، وقوة نقدية تكشف عن لحظات الجمود والتكلس في السلوك البشري، حين يعيد تشكيل علاقتنا بالواقع عبر مفارقات تجمع بين الفكاهة والنقد، وبين الخفة والعمق، فتبرز التناقضات الخفية في التجربة الإنسانية، وتدفع إلى إعادة النظر في أنماط التفكير والتصرف التي تتحول، بمرور الزمن، إلى قوالب آلية تفتقر إلى الحيوية والمرونة.
الضحك بين الخفة والثقل
اهتم Milan Kundera ميلان كونديرا في كتابه Le Livre du rire et de l’oubli بالضحك بوصفه ظاهرة مزدوجة، تتأرجح بين البراءة والسخرية، بين التحرر والقهر. وهو بذلك قد يكون تعبيرا عن الفرح والتواصل، لكنه قد يتحول أيضا إلى سلاح يكشف هشاشة الإنسان وعبثية العالم؛ من هنا، يغدو الضحك قوة تحريرية تزعزع صلابة الجدية، وتكسر ثقل القيود المفروضة على الفكر والسلوك، كما يتحول إلى أداة مزدوجة، قادرة على منح النسيان قوة التخفف، أو تكريس الهيمنة بإعادة تشكيل الوعي الجمعي.
بهذا المعنى، لا يمكن للضحك أن يكون محايدا؛ فهو انعكاس للصراع القائم بين الفرد والسلطة، وبين الذاكرة والنسيان، إذ يتخذ أحيانا طابع المقاومة والتحدي، فيكشف زيف المسلمات ويفضح المستور، بينما يتحول في أحيان أخرى إلى وسيلة لإخماد الأسئلة المقلقة، وإعادة إنتاج الواقع كما هو، دون مساس بجوهره.
في روايته “خفة الكائن التي لا تحتمل”، يستكشف ميلان كونديرا الضحك بوصفه استجابة للعبث الوجودي، حين تتجلى الحياة بوصفها سلسلة من التناقضات التي يستحيل حسمها، ويتأرجح الوجود بين قطبين متعارضين: الخفة التي تجسد الهروب من المعنى والالتزام، والثقل الذي يمثل عبء الذاكرة والمسؤولية.
في هذا السياق، يصبح الضحك أكثر من مجرد تفاعل لحظي، إنه تعبير وجودي عن الحيرة والتناقض، عن محاولة الفرد التكيف مع هشاشة الحياة وسخريتها المتأصلة، بين خفة تثير البهجة، وثقل لا يمكن الفكاك منه.
عندما يضحك الإنسان ضمن هذه الثنائية، فإن ضحكه لا يكون مجرد تعبير عفوي؛ بل يصبح فعلا تحرريا يتيح له الهروب من ثقل التوقعات والأنماط التي تفرضها الحياة، فالعقل الإنساني يجد نفسه في مواجهة معضلات وجودية معقدة، مثل أسئلة المعنى والمصير، حيث يتحول الضحك إلى وسيلة للمقاومة، بل وربما للحفاظ على التوازن النفسي في عالم يفتقر إلى الثبات. إن هذا الضحك لا ينشأ من فراغ، بل ينبع من وعي عميق بعبثية الحياة وهشاشتها، حيث لا وجود لمعنى مطلق أو يقين نهائي. في هذا السياق، يعكس الضحك عند كونديرا توترا مستمرا بين التفاؤل واليأس، وبين الخفة التي تمثل إمكانية للتحرر والتخلص من الأثقال، والثقل الذي يتجسد في انشغال العقل بأسئلة الوجود الكبرى التي لا مفر منها؛ مما يعقد حياة الفرد ويزيد من وطأتها عليه.
إذا كان الضحك في تصور برغسون يعكس ميكانيكية الحياة عندما تفقد حيويتها وتصبح مجرد تكرار آلي، فإن كونديرا يضيف إليه بعدا جديدا، يتحول معه الضحك إلى تعبير عن فوضى المعنى، ورفض لكل يقين ثابت. هكذا، يبدو الضحك وسيلة للتمرد على أي تصور نهائي للوجود، ويكشف عن هشاشة المعاني التي تفرضها الحياة، ليظل الإنسان متحررا من الثقل الإيديولوجي واليقينيات القسرية، متطلعا إلى تجاوز تناقضات الوجود والتحرر من استبداد المعنى الواحد.
ضحك بين الهزل والجد
لا يعتبر فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche في كتابه Ainsi parlait Zarathoustra “هكذا تكلم زرادشت”، الضحك مجرد تفاعل عابر مع المواقف الفكاهية أو نوعا من التسلية العابرة. إنه، في مقابل ذلك، رمز للقوة الداخلية والقدرة على تجاوز القيود التي تفرضها الأخلاق الموروثة والمفاهيم الميتافيزيقية التي تشوه فهم الإنسان للوجود. ينظر نيتشه إلى الضحك باعتباره تعبيرا عن القوة العقلية والروحية التي تمكن الفرد من رؤية العالم كما هو دون أن يغشيه الغموض أو الأوهام التي تفرضها الإيديولوجيات الجامدة.
بهذا المعنى، يعيد الضحك بناء رؤية جديدة للعالم تستند إلى ما يسمّيه نيتشه بـ”الإرادة للقدرة”، وهي الإرادة التي تدفع الفرد نحو التفوق على نفسه وعلى القيود المجتمعية التي تحد من طاقاته. فالضحك، هنا، احتفال بالتحرر الشخصي من كل أشكال الخضوع للأخلاق التقليدية التي تقيد الروح البشرية. أما بالنسبة للإنسان المتفوق (Übermensch)، الذي يمثل قمة الرقي في فكر نيتشه، فإن ضحكه يعد بمثابة إعلان عن استقلاله عن كل الأنظمة المعيارية التي تفرضها المجتمعات. إنه بهذا الاعتبار ضحك متمرد، لا يخضع للتقاليد أو القيم التي لا تتماشى مع طبيعة الإنسان، ورفض للعبودية الفكرية والروحية التي تفرضها الإيديولوجيات السائدة، وقوة لمواجهة الفوضى والوجود بطريقة تعلي من قيمة الفردية والحرية.
ضحكة أم تهرب؟
كيف يفسر Sigmund Freud سيغموند فرويد الضحك في سياق التحليل النفسي؟ هل يعتبره مجرد ظاهرة عابرة أم أنه يشكل جزءا أساسيا من آليات الدفاع النفسي؟ وكيف يساهم الضحك في تحرير المكبوتات النفسية؟ أم أنه مجرد استجابة سطحية للمواقف؟ وهل يعد أداة لتخفيف التوترات الداخلية التي يعاني منها الفرد؟ هل يمكن للضحك أن يكشف عن آليات نفسية عميقة، مثل الصراع بين الرغبات المكبوتة والقيم الاجتماعية؟ وكيف يربط فرويد بين الضحك باعتباره وسيلة للتعبير عن الرغبات اللاواعية وتحقيق نوع من التوازن النفسي؟
يعتبر فرويد في كتابه Le Mot d’esprit et sa relation avec l’inconscient “الطرفة وعلاقتها باللاوعي” الضحك آلية دفاعية نفسية تعمل على تفريغ الطاقات المكبوتة. عندما يواجه الفرد صراعا داخليا بين رغباته اللاواعية والقيود الاجتماعية التي تحد من تعبيره عنها، يصبح الضحك بمثابة وسيلة لتخفيف هذا التوتر. في هذا السياق، يعد الضحك منفذا يتيح تفريغ مشاعر الغضب أو تحرير العواطف المكبوتة، سواء من خلال الكلمة الطريفة، أو لعب الكلمات، أو النكتة؛ مما يساعد على استعادة التوازن النفسي ويمنح الفرد فرصة للتخلص من الضغوطات الداخلية التي تثقل كاهله.
من خلال تحليله للأحلام، ربط فرويد الضحك باللامعقول وبالتصرفات غير المتوقعة، مشيرا إلى أن الضحك غالبا ما يكون رد فعل على التناقض بين التوقعات الاجتماعية والمفاجآت التي يفرضها الواقع. ففي العديد من الأحيان، يعكس الضحك تباينا غير واع بين ما يفترض حدوثه في سياقات اجتماعية معينة وما يحدث فعلا، مما يولد نوعا من المفارقة أو الارتباك الذي يتحول إلى ضحك كآلية لتخفيف التوتر الناتج عن هذا الصراع بين المتوقع وغير المتوقع.
اهتم فرويد في تفسيراته للضحك بالدور الذي يلعبه في تفريغ الرغبات المكبوتة، وخصوصا تلك المتعلقة بالجنس. من هنا، اهتمامه بالعديد من النكت التي يتبادلها الناس وتحتوي على إشارات إلى الرغبات الجنسية المكبوتة. يعتبر الضحك في هذه الحالة وسيلة لإطلاق التوترات الجنسية الكامنة في اللاشعور؛ مما يتيح للمرء التعبير عن الرغبات في صورة غير مباشرة دون أن يعتبر ذلك تهديدا للقيم الأخلاقية السائدة.
من جهة أخرى، يشير فرويد إلى أن الضحك قد يكون استجابة عدائية في بعض الحالات، حيث يظهر الفرد سخرية أو تهكما تجاه الآخرين كوسيلة للتعامل مع مشاعر الاستياء أو الغضب المكبوتة. يحدث هذا النوع من الضحك عندما يعجز الشخص عن التعبير عن مشاعره العدوانية بشكل مباشر، فيلجأ إلى استخدام الضحك كآلية للتحايل على هذه المشاعر، وتحويلها إلى شكل اجتماعي مقبول ظاهريا، رغم أنه يحمل في طياته تفاعلا سلبيا تجاه المحيطين.
هل يمكن للضحك أن يكون وسيلة للتعبير عن رفض القيود الاجتماعية أو حتى تقويض المعايير الثقافية السائدة؟ هل يمكن أن يعد تعبيرا عن تمرد ضد الأنظمة الأخلاقية المسيطرة؟ وإذا كان الضحك يعكس في بعض الأحيان سخرية من الواقع، فهل يمكن اعتباره أداة للتحرر الفكري والعاطفي؟ كيف يساهم الضحك في إعادة تشكيل الهويات الاجتماعية وفتح آفاق للتغيير الثقافي؟ وهل يمكن أن يتحول إلى أداة سياسية تهدف إلى تحدي الهيمنة المجتمعية؟
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.