أثار التأخر في تفعيل المخطط الوطني للنهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة جدلًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والجمعوية، حيث تتوالى الانتقادات الموجهة إلى وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة بسبب بطء تنزيل التدابير القانونية الرامية إلى تحسين أوضاع هذه الفئة وتعزيز إدماجها في المجتمع.
فبينما كان يُنتظر أن يشكل المخطط الجديد قفزة نوعية في مسار تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان تكافؤ الفرص، لا تزال العديد من الالتزامات المعلنة حبرًا على ورق، مما يطرح تساؤلات حول مدى جدية الحكومة في التعاطي مع هذا الملف الحساس.
أحد أبرز مظاهر هذا التأخر ينعكس على الوضعية المالية الصعبة التي تعاني منها الجمعيات المتكفلة بتمدرس الأطفال في وضعية إعاقة، حيث لم تتوصل بعد بالدعم السنوي الذي يتيح لها الاستمرار في تقديم خدماتها.
هذا الوضع دفع العاملين الاجتماعيين إلى دق ناقوس الخطر، خاصة مع عدم توصلهم بأجورهم، مما يهدد استمرارية برامج التمدرس الخاصة بهذه الفئة ويضع أسرهم أمام معاناة إضافية في البحث عن بدائل غير متاحة.
في هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية نادية تهامي، عن فريق التقدم والاشتراكية، سؤالًا كتابيًا إلى كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، مطالبة بتوضيحات بشأن أسباب التأخر في تفعيل المخطط الوطني الثاني للنهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، ومدى جاهزيته لدخول حيز التنفيذ.
وأكدت تهامي في معرض سؤالها أن المسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي الصراحة والوضوح في هذا الملف، مشيدة في الوقت ذاته بإحياء المخطط الجديد رغم قصر الفترة الزمنية التي يفترض أن يُنفذ خلالها (2025-2026)، وهو ما يفرض تحديات إضافية بالنظر إلى تقاطع هذا الملف مع اختصاصات عدة قطاعات حكومية.
ورغم الإشادة بهذه الخطوة، فإن البرلمانية ترى أن الأولوية في المرحلة المقبلة يجب أن تنصبّ على إيجاد حلول لضمان التمويل المستدام للمخطط الوطني، مع ضرورة مأسسة الحوار والتشاور مع منظمات المجتمع المدني الفاعلة في هذا المجال، وذلك لضمان تطبيق ناجع لمقتضيات القانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها.
كما شددت على ضرورة إصدار النصوص التنظيمية لهذا القانون، ووضع الإطارات التعاقدية التي تتيح لهذه الفئة فرصًا حقيقية في مجالات التشغيل المقاولاتي، والسكن الاجتماعي بأسعار تفضيلية، وتوسيع نطاق الخدمات التي توفرها بطاقة الشخص في وضعية إعاقة.
وفي ظل تأخر تنفيذ عدد من الالتزامات السابقة، يظل تمدرس الأطفال في وضعية إعاقة من أكثر القضايا إلحاحًا، حيث طالبت تهامي بضرورة تعميم الدعم المالي لهذه الفئة، وتوسيع المعايير الطبية والاجتماعية الخاصة بإصدار بطاقاتهم، حتى تشمل أكبر عدد ممكن من المستفيدين.
واعتبرت أن الاستثمار في تعليم وتأهيل الأشخاص في وضعية إعاقة لا يجب أن يكون مجرد التزام حكومي عابر، بل ركيزة أساسية في السياسات الاجتماعية للدولة، لضمان إدماج فعلي لهم في المجتمع وسوق الشغل.
واستفسرت النائبة البرلمانية عن الخطوات التي ستتخذها الحكومة لتسريع المصادقة النهائية على المخطط الجديد، وضمان استمرارية التشاور مع الفاعلين في المجال، بما يحقق الأهداف المرجوة في تحسين أوضاع الأشخاص في وضعية إعاقة، ويؤكد التزام الدولة بتعهداتها الاجتماعية والحقوقية تجاه هذه الفئة.
ومع استمرار الجدل حول هذا الملف، يبقى السؤال المطروح: هل ستتمكن الحكومة من تجاوز العقبات الراهنة وتحقيق تقدم ملموس، أم سيظل هذا المخطط، كسابقه، رهين الوعود والتأجيلات.