الأحد, مارس 30, 2025
Google search engine
الرئيسيةالشامل المغربيأيّ لقاح نحتاج لصدّ الفساد؟

أيّ لقاح نحتاج لصدّ الفساد؟


“الفيروس” والتطعيم المضاد له.

“التجدير” هو استخدام مستخلص من قروح جدري البقر لحماية الناس ضد الجدري البشري الأكثر خطورة، وهي تقنية جلبها الأوروبيون من إفريقيا وآسيا سنة 1796، واعتبر ذلك بداية استعمال اللقاح للوقاية من الأمراض الخطيرة والذي سوف يتطور مع الزمن إلى ما هو عليه اليوم، والتطعيم أو التلقيح هو ببساطة تحفيز الجسم لفترة محدودة أو دائمة ليدافع عن نفسه بإمكانياته الخاصة ضد عدو خارجي يتكرر عدوانه عبر الزمان والمكان، وقد أثبت أنه، إن لم يكن الوحيد، فهو أهم الوسائل للوقاية من الفيروسات.

وكما أنّ “الفيروس” الكائن الحي الذي هو أحد الأعداء المتربصين المستدامين بحياة الإنسان وصحته الجسدية وكذلك بالصحة العامة للمجتمع الذي يعيش فيه يمكن أن يكون له تطعيم خاص به، فللفيروس-البرنامج، الذي هو العدو الرئيسي للبرامج المعلوماتية والمعلومات المخزنة ولخزّانات المعلومات نفسها، سواء كانت بطاقة أو أسطوانة أو غيرها، لقاح-برنامج مضاد له، وكذلك “الفساد” (الفيروس) الأخطر، الذي يتربص بالإنسان في حياته هذه وفي الأخرى، ويتربص بصحة المجتمع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، يتحوّر كيفما شاء ويكمن ويظهر متى شاء في الشكل الذي يريد، ويهدد الإنسان من المهد إلى اللحد، ويجري في المجتمع العليل كما تجري العادات والأعراف والقوانين والمراسيم، ويجري من الإنسان المُصاب مجرى الدم منذ خلقه الله إلى أن تقوم الساعة، له تطعيم مناسب له.

الفساد الأكبر بين التنظيم والانتظام.

“الفساد” لغة هو خروج الشيء عن الاعتدال، كان الخروج قليلاً أو كثيراً، وفي معجم “المعاني الجامع” الفساد من فعل “فسَدَ” ضد “صلح” ومعناه بالنسبة للطعام أنْتَن ولم يعد صالحا للأكل، ويقال فسدت الآلة، أصابها التلف والعطب والخلل، وفساد الأخلاق هو انحرافها وانحلالها. واصطلاحا يُعرِّف ” معهد بازل” الفساد عموما بأنه ليس إساءة استخدام المنصب العام لتحقيق مكاسب شخصية فقط، بل يشمل أيضًا إساءة استخدام السلطة والنفوذ لتحقيق مكاسب فرد أو كيان جماعي مثل حزب سياسي أو شركة أو مجموعة من الأشخاص، وتلك المكاسب ليست مالية فحسب، بل تشمل أيضًا المكاسب غير المالية، وخاصة الحفاظ على، أو زيادة، مكانة شخص أو كيان من حيث القوة والنفوذ، إضافة إلى أنّه ينبغي إدراج تحت مفهوم الفساد مجموعة واسعة غير محصورة من السلوكيات، مثل تضارب المصالح والمحسوبية والاختلاس واستغلال النفوذ أو التلاعب بالعمليات التشريعية لتحقيق هدف فساد خفي، وبذلك لم يعد الفساد دائما مسألة عمل وعواقب فورية أو مباشرة، بل أصبح يُنظر إليه على نحو متزايد باعتباره لعبة طويلة الأمد وخاصة عندما يكون هدفها الوصول إلى السلطة والنفوذ أو الحفاظ عليهما أو توسيع النفوذ الجيوسياسي.

وقد قسم أحد الباحثين المتخصصين (د. حسن محمود حسن) الفساد إلى عدة أنواع تختلف حسب الزاوية التي ينظر من خلالها إليه، أو من حيث المعيار المتخذ أساساً للتقسيم، وقد اختار لذلك معيارين؛ الأول ینظر إلى الفساد من حيث حجم المقابل والمكانة الوظيفية للقائم به أو من حيث الخطورة، ويقسمه إلى فساد صغير وهو الذي يقوم به صغار الموظفين والمسؤولين ويكون المقابل فيه ضعيفا، وفساد كبير يقوم به كبار الموظفين والمسؤولين وغالباً ما يكون المقابل فيه كبيرا، أما المعيار الثاني فينظر إلى الفساد من حيث طبيعة القطاع الذي يحدث فيه الفساد أو من حيث المظهر؛ ويقسم إلى الفساد الإداري والفساد السياسي والفساد الاقتصادي والمالي والأخلاقي.

ويمكن أن أضيف إلى صنفي الفساد الصغير والكبير، الفسادَ الأكبر المنتظم تلقائيا وأفقيا في شبكة تجتمع خيوطها في عُقد يتم فيها تداول المعلومات والمصالح والخدمات بصفة تكتيكية مؤقتة، ويعتبر عضوا فيها دون أن يدري كلّ من تجاوز فساده الدائرة الشخصية الضيقة إلى شرايين المجتمع، إلى أن يصبح مساهما مؤثرا في رأسمال ظاهرة من ظواهر الفساد، والفساد الأكبر المنظّم بطريقة هرمية تهيكلها قواعد وأعراف بديلة للقانون والأخلاق وينشطها أشخاص وهيئات دائمة، توحّدها إضافة إلى المكاسب الآنية أهداف استراتيجية بعيدة الأمد، ويمكن أن أضيف كذلك الفساد الأصغر الذي يقوم به المواطن عند إساءة استخدام الظرف أو الموقع الخصوصي الذي يتواجد فيه لتحقيق مكاسب شخصية غير شرعية، ومن ضمنه الفساد البرعميّ الذي يقوم به الطفل الصغير أو التلميذ أو الطالب الذي هو في طور الإعداد والتكوين للاندماج مستقبلا في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وخير مثال على الفساد الأكبر المنتظِم آفة الرشوة التي حين تتمكن من قطاع إداري معين وتستشري فيه تصبح ظاهرة، ويتعامل معها المرتفق في فترة ما كقدر محتوم لا يملك إلا التطبيع معه، فدونما اتفاق مسبق بين موظفين تختلف درجاتهم، همهم المشترك تحقيق مصالح شخصية من أجلها يشجع ويقتدي بعضهم ببعض ويؤازر ويغض الطرف بعضهم عن بعض، أما حين ينتقل فساد الإدارة ليفسد المجال الانتخابي وبالتالي يفسد القطاع التشريعي لتعبيد الطريق نحو فساد أوسع، وإلى القطاع الاقتصادي لخطو أول متر في رحلة الإثراء السريع غير المشروع، وإلى المجال الاجتماعي والإعلامي لتدجين الشعب وتعويم همومه واهتماماته ودفعه في النهاية إلى الاستسلام للأمر الواقع، وتكميم آخر الأصوات الصادحة بالحق وشلّ حركة آخر فاعل في المجتمع المدني، حينئذ نصبح بصدد فساد منظّم بآليات وبرامج ومخططات، فساد يضرب فوق وتحت الحزام ويضع مستقبل البلاد في كفّ عفريت.

الفساد الأخلاقي والفكري والسياسي.

روي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى) رواه مسلم، وجاء في صحيح البخاري حديث رواه النعمان بن بشير عن الرسول صلى الله عليه وسلم: “…. ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ”. فالمجتمع (المؤمنون) إذن هو ذلك الجسد الذي يجب أن يتداعى سائر أعضائه لمساعدة الفرد (العضو) المشتكي والمحتاج للمساعدة، والمواطن (العضو) هو تلك المضغة التي إن فسدت فسد المجتمع كلّه، وبالتالي إن صلحت المضغة (القلب) موطن الأخلاق والمبادئ والضمير والفكر صلح الفرد وصلح المجتمع وإن فسدت فسد الفرد وفسد المجتمع كلّه، ولكل ذلك يعتبر فساد الفرد الأخلاقي أساس ومركز كلّ أنواع الفساد الأخرى وهو للنار بمثابة مستصغر الشرر، سواء لأنّ نفسه سولّت له ذلك أو لأنّ الشيطان أوحى له زخرف القول، فالحدث الذي يكذب ويدلّس على والديه وعلى أقرانه بمبرر وبدونه، والتلميذ والطالب الذي يكذب في السراء والضراء ويغش في الامتحان في حال الضرورة والرخاء ويصبح ذلك ديدنه لجرّ منفعة كبيرة أو هينة أو تحقيق هدف قريب أو بعيد، لن يتخلّف عن اصطفافه إلى جانب تيار الفساد حين يشبّ عن الطوق، ولن يشعر بالحرج في الارتشاء أو التزوير أو ممارسة الابتزاز، ولن يجد في نفسه غضاضة في أن يغل في المال العام مباشرة أو من خلال الشطط في استعمال السلطة أو تضارب المصالح أو احتكار مصادر الثروة من أجل الاغتناء السريع، بل سوف يساهم في انتشار عدوى هذا الانحراف وتعميمه بسلاسة بين الأقران والأصحاب والزملاء والجيران لتتوسع قاعدة الفساد وحاضنته وينتزع (شرعيته) الاجتماعية والنفسية بالإجابة عن أسئلة النفس والنظرات اللوامة بالقول : لست بدعا والكلّ يفعل ذلك، المال ملك عام وأنا من ضحايا النظام العام، الأطراف المباشرة راضية وسكوت الأطراف الأخرى علامة الرضى… ليصبح الفساد فكرا ومعتقدا يستشرف بعد ذلك الحماية السياسية والقانونية التي ينالها في نهاية المطاف ويُحاز له المجتمع بحذافيره ويصبح نبضه الذي ينبض به، وجيبه الذي يغرف منه وجنته التي يرتع فيها.

الطبع والتطبيع والتطبع.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه….) رواه البخاري، إذن فكلّ مولود يولد متهيّئا للإسلام والصلاح وأبواه وقبيلته ومحيطه يهيئونه ويدربونه ليخوض في درب الفساد، يولد المولود صفحة بيضاء فتطبع عليها الأسرة والمدرسة والشارع والإعلام ما تشاء من أخلاق الصدق والنزاهة والموضوعية وحب الخير للآخرين وتقدير الاختلاف معهم وحب الخير لمجتمع اليوم وأجيال الغد، والإيمان بواجب المساهمة في الإصلاح والبناء والإعمار، وتسهل مهمة الطبع تلك بقدر انحسار الفساد في المجتمع أمّا حين ينتشر إلى درجة التطبيع معه من قبل الآباء قبل الأبناء فإنّ مهمة تخريج فرد صالح أو مجموعة أو جيل، تصبح من قبيل مهام الأنبياء التي ستحتاج اليقين في سنن التغيير، والصبر والتربية عليه، وتحمّل الإحساس بالغربة وسط الأهل والزملاء والأصدقاء والتعود عليها، وإيثار طريق الصلاح على طريق الفساد الذي وإنّ عمّ فهو لا يهون.

درهم وقاية خير من قنطار علاج.

نظريا توجد العديد من المؤسسات المنوط بها محاربة الفساد بكلّ أنواعه ولكن النجاعة في أدائها مهامها تظل رهينة بالظرف القانوني والإداري الذي ولدت فيه، والمناخ القضائي والسياسي والاجتماعي الذي تشتغل فيه، حيث قد تطالها يد الفساد فتكبل يدها بتشريعات غريبة أو تبريرات سياسية واجتماعية وهمية فتصير هياكل تزين المشهد العام فقط بدون روح ولا حركة ولا صلاحيات.

وإذا كان حجر الزاوية في محاربة الفساد هو ربط المحاسبة بالمسؤولية فعقيدة المسلم تعتبره من جهة مؤتمنا ومسؤولا في دنياه حيث قال تعالى: (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) (الأحزاب 72)، ومن جهة أخرى محاسبا في أخراه لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر18)، أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادّخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم، وقول رسولنا صلى الله عليه وسلم في حثه على محاسبة النفس: (الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله) رواه البيهقي والترمذي وابن ماجه، وكما الوازع الديني يمكن للوازع الأخلاقي حين يسري في أعراف أي مجتمع أن يحصّنه ويمنّعه من ظهور الفساد ليتكفل القانون بعد ذلك بعلاج ما شذّ عن المعروف.

 



Source link

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات