شهدت عدة مدن مغربية في الآونة الأخيرة جرائم أسرية مروعة هزت الرأي العام، حيث أقدم أفراد من العائلة على ارتكاب جرائم قتل في حق أقاربهم في ظروف مأساوية، من بينها ما وقع منتصف مارس الماضي، حين أقدم شاب مدمن على المخدرات بالعرائش على قتل والدته الستينية في أول أيام شهر رمضان، وبعد ذلك بيوم واحد شهدت مدينة وجدة جريمة أخرى راحت ضحيتها زوجة أب قُتلت برصاص بندقية صيد أطلقها ابن زوجها، الذي أنهى حياته بعد ارتكاب الجريمة.
وفي 23 فبراير المنصرم وقعت جريمة أخرى بمدينة المحمدية، حيث أقدم رجل سبعيني على قتل ابنته وزوجها داخل منزلهما مستخدمًا بندقية صيد؛ كما شهد إقليم الحوز، تحديدًا في جماعة أغواطيم، خلال فبراير الماضي، جريمة مروعة راح ضحيتها ثلاثة أفراد من عائلة واحدة، بعد أن أقدم رجل على قتل زوجته وحماته ورضيعه، كما أصاب شقيقة زوجته بجروح خطيرة.
في ظل هذه الجرائم ذات الطابع الأسري يثار نقاش حول دور الطب النفسي في فهم دوافع مرتكبيها وتأثير العوامل النفسية على وقوعها بين أفراد الأسرة الواحدة، كما يتجدد التساؤل حول موقع هذا النوع من الجرائم في المنظور الإسلامي، سواء من حيث حجمها أو الأحكام المتعلقة بها، سعياً إلى فهم أعمق يسهم في إيجاد حلول فعالة تحدّ من انتشارها من جهة، وتعزز التماسك الأسري من جهة ثانية.
الطب النفسي
مها القادري، أخصائية في الطب النفسي، قالت إنّ “الطب النفسي يُحلِّل القتل داخل الأسرة عبر دراسة الاضطرابات النفسية الكامنة والعلاقات الأسرية والعوامل المحفزة، ويُصنَّف هذا النوع من الجرائم ضمن فئات مثل الاضطرابات النفسية الخطيرة، وجرائم القتل المرتبطة باضطرابات الشخصية، القتل بسبب الضغوط الشديدة أو العلاقات السامة، والجرائم بدافع المصالح المالية أو الميراث”.
وأضافت الطبيبة ذاتها أنّ “التقييم النفسي للجاني ضروري لتحديد مدى وعيه أثناء ارتكاب الجريمة، إذ يُعتبر ضعف الإدراك أو غيابه من العوامل الأساسية في تحديد المسؤولية”، مشيرة إلى أنّ “بعض الجناة يُظهرون علامات اضطرابات نفسية أو سلوكية قبل الجريمة، لكن غياب التشخيص أو العلاج المناسب يؤدي إلى تفاقم الوضع”، ومنبّهة إلى أن “الكثير من الجرائم يمكن الوقاية منها إذا تم الاهتمام بالصحة النفسية بشكل جدي، سواء من خلال العلاج المبكر أو التوعية والتدخل الأسري الفعّال”.
وبخصوص المؤشرات التي تستدعي الانتباه والعلاج المبكّر ذكرت مها القادري “نوبات الغضب غير المبررة والعدوانية المفرطة، والتهديدات المتكررة بالعنف أو القتل، والسلوكات غير الطبيعية، مثل العزلة المفرطة أو الأوهام والهلوسات، والتاريخ المَرَضي باضطرابات نفسية دون متابعة طبية، وتعاطي المخدرات أو الكحول وتأثيره على السلوك”.
وأكدت الأخصائية ذاتها أنّ “بعض الاضطرابات النفسية قد تؤدي إلى القتل، مثل الفصام الذي يسبب العنف بسبب الهلوسات أو الأوهام، كأن يقتل أحد الوالدين ابنه معتقدًا أنه ‘ينقذه’ من خطر وهمي”، وزادت: “كما أن الاضطرابات المزاجية الشديدة، مثل بعض حالات الاكتئاب الحاد، قد تؤدي إلى تصرفات يائسة، كقتل أحد الوالدين لأطفاله قبل الانتحار. إضافة إلى أن اضطراب الشخصيات المعادية للمجتمع أو الحدّية قد تؤدي إلى القتل بسبب الغضب أو الغيرة أو الشعور بالهجر”.
وختمت القادري توضيحاتها بالتأكيد على أنّ “الحل يكمن في تعزيز الوعي بالصحة النفسية واعتبارها جزءًا أساسيًا من الرعاية الصحية، وتشجيع أفراد العائلة على استشارة مختصين نفسيين عند ملاحظة تغيرات خطيرة في سلوك أحد أفرادها، والحد من العوامل المؤدية إلى الضغوط العائلية، كالعنف الأسري والخلافات الحادة والضغوط الاقتصادية، وتقديم دعم نفسي وعلاج مناسب لمن يعانون من اضطرابات نفسية قبل أن تتفاقم الأمور”.
تعاليم الإسلام
جمال الدين البوزيدي، واعظ عضو لجنة العمل الثقافي التابعة للمجلس العلمي المحلي بخريبكة، قال إن “الشريعة الإسلامية أعلت من شأن النفس الإنسانية عموما، والفروع والأصول على وجه الخصوص، فرفعت قدرها، وحافظت عليها، فهي مصونة محترمة في ذاتها حتى وإن خالفت في معتقدها ومذهبها ودينها، بل جعلت حفظ النفس الإنسانية من أهم مقاصدها وكلياتها الضرورية بعد حفظ الدّين، وذلك لكونها من ضروريات الحياة الإنسانية وبقائها، ووضعت أحكاما شرعية، وأرست تقريرات فقهية تدور في جوهرها على حفظ هذا الأصل”.
وأضاف المتحدث ذاته أن الإسلام دعا إلى حفظ النفس من جانب الوجود، أي بمراعاة النفس في تشريع الأحكام بما يقيم أركانها، ويثبت قواعدها، من خلال مجموعة من الوسائل الضرورية والحاجية والتحسينية، مثل الحث على التَّكاثر والتَّناسل، فشرع الإسلام الزواج ونوه بالعلاقة المقدسة بين الزوجين واعتبرها آيةً من آيات الله، إضافة إلى تحديد مسؤولية الآباء عن الأبناء، وتحديد مسؤولية الأبناء عن الآباء، ثمّ تحديد مسؤولية الإنسان على أخيه الإنسان عموما”.
وأشار جمال الدين البوزيدي، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن “هناك وسائل تضمن للنفس أصلا أو فرعا أو غيرهما الاستمرار والدوام والإبقاء على الحياة، سواء كانت منوطة التحقيق بالأفراد، أو منوطة بالدولة أو الأجهزة الكفيلة بتوفير حقوق النفس وصون كرامة الآدمي من جانب الوجود، وأحكام الشريعة الإسلامية طافحة بها”، منبّها إلى أن “اكتمال وجوه حفظ كلية النفس اقتضى تسييجها من الجانب الذي تأتي منه عوامل الاختلال وأسباب الخرم”.
كما أكّد البوزيدي أن “الله تعالى شرع مجموعة من الأحكام والإجراءات التي يتم من خلالها إبطال كل المفاسد الناجمة عن المساس بمقصد حفظ النفس، كتحريم القتل الذي يُعتبر أعلى ضرر يمكن أن يلحق بالنفس، لأنه يؤدي إلى وضع حدّ لحياتها ووأدها وإعدامها، فحرَّم الإسلام قتلها، سواء قتل الإنسان نفسه أو ابنه أو والديه أو غيرهما، فالجرم واحد”، مضيفا أن “الله بيَّن أنَّ من قتل نفسا بغير حق فكأنَه قتل جميع الناس؛ لما في ذلك من الاعتداء على كرامة الإنسان معصوم الدم”.
عقوبات الدنيا والآخرة
قال عبد الغني الدريوش، واعظ إمام متعاقد تابع للمجلس العلمي المحلي بخريبكة، إن “الإسلام وضع عقوبات أخروية لحماية النفس وحفظها من العدم، إذ توعّد الله قاتل النفس بغير حق بأشد العذاب، لأن الجريمة مرتبطة بقضية غاية في الخطورة، وهي حرمة الخالق سبحانه وتعالى؛ إذ إنَّ هذه النَّفس ملك لخالقها، وهو الله الذي خلقها ووهبها الحياة، فله سبحانه وحده الحق في إبقائها أو موتها، سواء قتل العبد نفسه أو غيره”.
وأضاف المتحدث ذاته، في تصريح لهسبريس، أن “الدين شرّع أيضا عقوبات دنيوية تشمل الحدّ أو القصاص، وضعها الله زواجر للردع عن ارتكاب جريمة القتل عمدا، كما تشمل حدّ القذف وشرب الخمر وغيرهما، والتعزيرات، التي شرعت تأديبا واستصلاحا على ذنوب لم تصل إلى حدّ القتل، ويختلف حكمها باختلاف حالها وحال فاعلها، ويندرج تحتها الجروح وما دونها من الاعتداءات على نفس الآدمي”.
وأورد الدريوش أن “الأحكام المتعلقة بعامة الأنفس إذا كانت كفيلة بالحذر وجديرة بالخطر فالأحكام الخاصة بأصول الإنسان، التي تشمل والديه اللذين كانا سببا في وجوده، وأبناءه الذين هم فلذات كبده وثمرة جهده، هي أولى بهذا، لبشاعة الجريمة وفظاعة الذنب، فهي جريمة في حق ذوي القربى، وكلما كان النسب أقرب كانت أعظم حقا وحرمة ومكانة، ولهذا شرع الله مجموعة من الأحكام الخاصة، التي تحمي النفس أصولا وفوعا، من كل ما يهدد أمنها أو يهين كرامتها أو يؤدي إلى إزهاقها”.
وفي هذا السياق أشار الواعظ ذاته إلى أن “الله حرّم قتل الأولاد ووأدهم في الرحم فضلا عن قتلهم وهم خارجه، مهما كانت الأسباب، وكما حرم قتل الفرع فقد حرم قتل الأصل من باب أولى، فهي جريمة نكراء تستحق أشد العقوبات، لأن الله تعالى جعل حقّ الوالدين مقرونا بحقه، بل نهى عن التأفف في حقهما وهو أدنى، فكيف بإزهاق الروح”، خاتما: “كل العقوبات الدنيوية من الحدود والتعازير تعم جميع القتلة آباء أو أبناء وغيرهم إذا كان إزهاق الروح عمدا”.